هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.
شاطر | 
 

 هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:22

اهلا وسهلا بكم اخوتى
رواد
منتديات المسيلة
اعضاء منتدى سيدى عامر
وكل زائر
.
..


هي جولة في فكر الرجل الذي تولى
مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.



منذ عام 1996 شغل خالد مشعل موقع
رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وشهدت تلك السنوات أحداثا
كبيرة، وتحديات جساما.. فمن أقرب منه إلى عقل (حماس)، ومن الأقدر منه على التعبير
عن رؤاها وفكرها السياسي؟



على مدار خمس ساعات متصلات حاولنا
الغوص في عقل الرجل، وفي فكر الحركة التي يقود؛ طرحنا أسئلة مهمة، وأخرى دقيقة،
وثالثة على درجة عالية من الحساسية.



عند السؤال عن أحد الملفات الشائكة
قلنا: لك الحرية في الإجابة أو الاعتذار، فنحن ندرك حساسية الموضوع، وأنه ينطوي
على كثير من الحرج؛ لكنه ردّ على الفور ودون تردد: سلوا ما بدا لكم بمطلق الحرية،
فأنا أومن بأن الحركات التي تحترم نفسها وشعبها وأمتها تمتلك جرأة مصارحتهم بكل
الحقائق، وبأن توضح نفسها ومواقفها إزاء كل القضايا، حتى تلك التي تبدو محرجة،
فليس ثمة مكان للغموض حين يتعلق الأمر بالفكر السياسي للحركات
.



شجاعة الرجل وصراحته شجعتنا على
إخراج كل ما في جعبتنا؛ وبدوره تحدث بتدفق وتسلسل كشف عن أن الأمور واضحة في عقله،
حاضرة في فكره، لا يحتاج جهدا أو عنتا لاستدعائها.



سألناه عن فلسفة (حماس) ورؤيتها
للتحرير؛ عن دور «الفلسطيني» و»العربي» و»الإسلامي» و»الإنساني» في معادلة
التحرير، وعن مدى تأثر تلك الرؤية بواقع الانقسام والتجزئة والتفكك الذي يهيمن على
الواقع العربي.



وسألناه عن موقع (حماس) من
الاصطفافات السادة هذه الأيام، وعن استشرافه لمستقبل المنطقة للسنوات القادمة، وعن
احتمالات الحرب، ومستقبل المشروع الصهيوني المأزوم.



ثم انتقلنا إلى ملف «واقعية» حماس،
ومساحة المرونة والثوابت لديها.. أين تبدأ وأين تنتهي؟ وهل تصدر عن قرار ذاتي
وقراءة مسبقة، أم تأتي تحت وطأة الضغوط وأثقال الواقع؟ وما موقف حماس من الاعتراف
القانوني والاعتراف الواقعي، وهل تمايز بينهما؟


مشعل الذي كان يحاول تجنب
الإكثار من استخدام كلمة (حماس)، رغبة بالخروج من الذاتي إلى الوطني والعربي
والإسلامي بل والإنساني، أكد أن الحركة كالكائن الحي


عدل سابقا من قبل Roshan في 2010-08-30, 22:33 عدل 4 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:26

ينمو ويتطور، وأنها لا تتردد في
تقديم الاستحقاقات السياسية لكل مرحلة.


سألناه عن نظرة حماس
للمرأة،
ولدورها في ميدان المقاومة والسياسة، وكيف تنظر إلى المسيحيين، وهل تقاوم
الإسرائيليين لأنهم يهود أم لكونهم محتلين؟


جدلية العلاقة بين
حماس والحركة
الإسلامية العالمية، كانت حاضرة على بساط البحث؛ من يستفيد من من؟ ومن يخدم
من؟


سألنا: ماذا أضافت تجربة حماس
الجهادية، وهل نجحت في تقديم أنموذج خاص بموازاة مشاريع تعمل في الساحة
الإسلامية
وتستخدم القوة العسكرية، وكيف تنظر الحركة إلى مسألة التساهل في إراقة
الدماء؟


حاولنا معرفة إذا كانت حماس ما
تزال ترى في منظمة التحرير إطارا ومرجعية تصلح لتمثيل الشعب الفلسطيني
وللتعبير عن
تطلعاته ولقيادة فعله النضالي، وهل تؤمن الحركة بالشراكة مع الآخرين، أم
تسعى
للهيمنة والتفرد، وما موقع العلاقات الدولية في فكرها وأولوياتها؟


الملف
الأكثر حساسية في الحوار،
تعلّق بموقف حماس من المفاوضات؛ هل ترفض حماس التفاوض من حيث المبدأ؟ وإذا
لم يكن
التفاوض مع العدو فهل يكون مع الصديق؟


الجولة الموسعة في فكر
الرجل وفكر
الحركة، تنشرها «السبيل» على ثلاث حلقات، وهي تشكّل الجزء الثاني من الحوار
مع
مشعل؛ حيث نشر الجزء الأول من والذي تناول المستجدات السياسية قبل أيام.
فإلى
الحلقة الأولى:





أجرى
الحوار: عاطف الجولاني - حمزة حيمور





مقاومة أم
تحرير؟


* حرصت حماس على أن تصف نفسها عند
النشأة والانطلاقة بـ «المقاومة»، فيما اختارت كثير من الحركات أن تطلق على
نفسها
وصف «التحرير»، كيف تتعامل حماس مع هذه المقاربة بمفرداتها المتنوعة.. وهل
ثمة
تناقض؟

- التسمية بالمقاومة أو
التحرير لا يعني الاقتصار على أحد الأمرين؛ بمعنى أن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:26


غيرنا وصف نفسه بالتحرير لأن
التحرير هو الهدف، ونحن أسمينا أنفسنا بالمقاومة لأن المقاومة هي الوسيلة؛ ولا
يوجد تناقض بين الوسيلة والهدف.



فإذا تحدثت مرة عن التحرير فأنت تتحدث عن الهدف،
وإذا تحدثت عن المقاومة فأنت تتحدث عن الوسيلة التي تحقق الهدف، فلا حرج أن تختار
هذا العنوان أو ذاك، طالما أنك في جميع الأحوال تعمل بالعنوانين معاً، فأنت تقصد
التحرير ووسيلتك المقاومة.



عندما نشأت «حماس» أواخر عام 1987
في وقت تراجع فيه الخيار العسكري وتشتت البندقية الفلسطينية بعد عام 1982، ربما
كان هناك حاجة لرد الاعتبار لخيار المقاومة والبندقية، لكن ليس بديلا عن التحرير،
ولا بحصر الدور في حدود ممارسة المقاومة دون التحرير، فغاية مقاومتنا هي التحرير،
وطريق التحرير هو المقاومة والصمود والمواجهة والتضحيات، وأنت تراكم الإنجازات
لتصب في النهاية في مشروع تحرير شامل؛ بالتالي لا تناقض بين هذا وذاك.



من ناحية أخرى، ربما كان هناك في
فترات معينة حديث عن أن واجب الشعب الفلسطيني هو إبقاء جذوة الصراع متقدّة عبر
المقاومة، أي أن هدف المقاومة هو استنزاف المشروع الصهيوني، ومشاغلته، وإفقاده
الأمن والاستقرار، وحضّ الأمة على المشاركة في المعركة؛ هذا صحيح، لكن لا يعني أن
مسؤولية الشعب الفلسطيني منحصرة في هذه المهمة فقط، والتي قد يعبَّر عنها باللغة
العسكرية بالصاعق إن صح التعبير، فالشعب الفلسطيني ليس مجرد صاعق؛ نعم هو صاعق من
حيث أنه يشعل المعركة مع الصهاينة ويحرّض الأمة عليها، و يبقي العدو في حالة
استنزاف، لكن الشعب الفلسطيني في الوقت نفسه طرف أساس في مشروع التحرير وإنهاء
الاحتلال.



لذلك نحن لا نحصر أنفسنا في مهمة
المقاومة واستنزاف العدو، وإن كان هذا جزءاً أساسياً من مهمتنا، إنما أيضاً نخطط
للتحرير، ونعمل من أجله، ونوفر كل متطلباته، بجهدنا كحركة، وبجهد الشعب الفلسطيني
وقواه المناضلة، وبجهد الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم.



* حماس
ورؤية التحرير.. بين الخصوصية الفلسطينية والبعد العربي والإسلامي



* ما المعادلة التي تتبناها حماس
لإنجاز معادلة التحرير وإنهاء الاحتلال؛ ومن وجهة نظركم، هل يمكن إنجاز مشروع
التحرير بجهد ومقومات فلسطينية بمعزل عن دور وشراكة عربية ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:27

- منذ البداية كان واضحا أن القضية الفلسطينية ليست صراعا مجرّدا
بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل صراع الأمة مع مشروع صهيوني احتلالي توسعي
يستهدف الأمة بمجموعها، ولا يقتصر خطره على فلسطين وحدها.



هذا الفهم كان موضع اتفاق منذ وقت مبكر، ولم يكن
ثمة شك أو جدل حول طبيعة هذا الصراع، وهو الذي جعل الدول العربية تدخل حروبها
الأولى مع الكيان الصهيوني، وهو كذلك الذي دفع كثيرا من المتطوعين العرب والمسلمين
للمشاركة بفعالية في الصراع مع المشروع الصهيوني في مراحله المتعددة.



لكن للأسف، فإن الانحراف في فهم
طبيعة الصراع، ورغبة البعض بالتخلي عن مسؤولياته، دفع باتجاه تعزيز المنطق القطري
الضيق الذي بدأ يطغى في وقت متأخر على نظرة بعض الأطراف الرسمية العربية التي
توهّمت بأنها تملك التخفف من أعباء الصراع مع المشروع الصهيوني.



وفيما بعد انعكس الأمر على السياسة
الرسمية الفلسطينية، خاصة حين تحولت بوصلة قيادتها عن المقاومة باتجاه خيار
التسوية والمفاوضات، معتقدة آنذاك أن بإمكانها الاستغناء عن الدعم والإسناد العربي
والإسلامي ما دام الطريق بات سالكا للتعامل بصورة مباشرة مع «إسرائيل» والولايات
المتحدة الأمريكية عبر خيار المفاوضات.



في تلك اللحظة بدأ الحديث يتعالى
عن استقلالية القرار الفلسطيني وعن «فلسطنة» الصراع، وترويج أن ذلك يتناقض
بالضرورة مع العمق العربي والإسلامي للقضية وللصراع. حصل ذلك بالتزامن مع تخلي
القيادة الفلسطينية بالتدريج عن الخيار العسكري ، خصوصا بعد اجتياح الجيش
الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وتهجير البندقية الفلسطينية إلى المنافي العربية، بل
وصل الأمر لاحقاً إلى حد إعلان الطلاق مع خيار الكفاح المسلح.



هذا التحول الخطير في مسار الصراع،
كان له انعكاساته الخطيرة على القضية الفلسطينية وعلى الواقع العربي وعلى مواجهة
المشروع الصهيوني، وما زلنا نعاني حتى اللحظة من الآثار السلبية لهذا الانحراف في
بوصلة الصراع. وحين جاءت حماس، أرادت تصحيح اتجاه البوصلة، ومعالجة الانحراف
الخطير الذي حصل، وردّ الاعتبار للبعد العربي والإسلامي، بل والإنساني، للصراع مع
الكيان الصهيوني.


فنحن نؤمن بأن الصراع صراع
الأمة، وليس صراع الشعب الفلسطيني وحده، مع المشروع الصهيوني الذي يشكل نقيضا
جذريا لمشروع الأمة ولوجودها ولمصالحها، وهو ما يجعل الأمة طرفاً أساسياً في
الصراع وشريكا في مشروع المواجهة، لا مجرد داعم ومساند لمقاومة الشعب الفلسطيني.
هذه قناعة راسخة لدينا، وسعينا وما زلنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:29


نسعى لتعزيزها لدى أمتنا، شعوباً
وقيادات ونخباً وحركات سياسية، ولتكريسها عملياً في الثقافة والممارسة والمواجهة
وإدارة الصراع، على قاعدة الشراكة التي رفعناها مبكراً كشعار، ونسعى لترجمتها أكثر
إلى برامج عمل منهجية ودائمة ومؤسسية، وليس مجرد هبات موسمية أو عاطفية عابرة، دون
أن يعني ذلك إلغاء الخصوصية الفلسطينية، ولا ارتهان القرار الفلسطيني لأحد.



* لكن
هناك من يروّج أن هذا الفهم لطبيعة الصراع ربما يلغي الخصوصية الفلسطينية؟



- أبدا، ليس هناك أي تناقض بين العمق العربي
والإسلامي والإنساني للصراع مع المشروع الصهيوني الاحتلالي، وبين الخصوصية
الفلسطينية. إنما هي مقولات حاول البعض في الساحة الفلسطينية وما زالوا يحاولون
منذ زمن أن يسوّقوا من خلالها خياراتهم السياسية الخاطئة التي قادت الوضع
الفلسطيني والصراع مع المشروع الصهيوني إلى ما نحن فيه الآن من واقع مختلّ.، كما
عملوا على استخدامها كغطاء لتصرفهم بالقضية وقراراتها المصيرية كما يحلو لهم وبهذه
الصورة العبثية، زاعمين أن ذلك يحمي القرار الفلسطيني المستقل، بينما يشهد الواقع
العملي اليوم أن القرار الفلسطيني على أيديهم أصبح متأثراً إلى حد بعيد بالتدخلات
والضغوط الأمريكية والإسرائيلية.



هناك أفهام خاطئة تنشأ بين الحين
والآخر. في الماضي نشأ فهم خاطئ يرى أنه ما دام الصراع مع الكيان الصهيوني عربياً
وإسلامياً، فلينتظر الفلسطينيون ما ستفعله الدول العربية وجيوشها، باعتبارها
الأقدر على المواجهة العسكرية مع كيان متسلح بإمكانات كبيرة ومعزز بدعم دولي قوي.
ولاحقاً، نشأ فهم خاطئ آخر ركز على (فلسطنة) الصراع، وضخّم الخصوصية الفلسطينية
على حساب البعد العربي والإسلامي للقضية، مسوغاً ذلك بالتقصير العربي وخذلان
الفلسطينيين واشتغال الدول العربية بهمومها القطرية، ومتوهماً في ذات الوقت، أو
زاعماً، أنه قادر بمفرده على إدارة الصراع، خاصة أن أدوات الصراع لديه لم تعد أكثر
من المفاوضات ومشاريع التسوية وطرق العواصم الغربية وفي مقدمتها واشنطن.



من جانبنا، نقول إن من الطبيعي ألا
يقف الشعب الفلسطيني موقف المراقب والمنتظر لغيره، لأنه في عمق الصراع، وهو الأولى
بأداء الواجب، ومكانه الطبيعي دائماً في الصفوف الأمامية للمواجهة، وفي الخنادق
المتقدمة للمعركة. وهكذا كان شعبنا طوال حياته وعلى مدى كل مراحل الصراع مبادراً
إلى المقاومة والنضال والتضحية بكل ما يملك.


في ذات الوقت، فإن الأمة بكل
مكوناتها، معنية بخوض الصراع من منطلق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:30


الشراكة والدفاع عن الذات والمصير
المشترك ، لا من موقع الداعم والمساند فقط. فمواجهة المشروع الصهيوني ليست جهدا من
أجل فلسطين فحسب، بل هي في ذات الوقت دفاع عن الأمة نفسها، عن ذاتها ووجودها
ومشروعها الحضاري.



إذاً، كلا البعدين للصراع مهم
وضروري، ولا تناقض بينهما، ولا يصح أن يطغى أحدهما على الآخر، أو أن يكون على حساب
الآخر، ولا أن يضخّم بُعْدٌ على حساب بُعْدٍ، لأن من شأن ذلك أن يحدث خللا في
المعادلة، ولذلك لابد من وضع الأمور في نصابها ضمن حالة من التوازن والتكامل
والتعاضد بين ما هو فلسطيني وما هو عربي وإسلامي. فلا مصلحة في المبالغة بتضخيم
الدور العربي والإسلامي بصورة تلغي الدور الفلسطيني وتدفع البعض للاعتماد على
الآخرين وإعفاء نفسه من النهوض بمسؤولياته، كما أن تضخيم البعد الفلسطيني يفقد
الصراع طبيعته وأبعاده الحقيقية، ويعزله عن عمقه العربي والإسلامي.



البعد العربي والإسلامي والإنساني
مهم في فلسفة حماس ومشروعها للتحرير، وهو نابع من قناعة راسخة بأن المشروع
الصهيوني ليس منفصلا عن مشاريع دولية أخرى؛ هو مشروع وخيار غربي في مواجهة الأمة
واستهداف مشروعها الحضاري النهضوي، وهو ما يجعل المشروع الصهيوني مشروعا عالميا،
لا محليا. وقد حذر أحد القادة الأوروبيين مؤخرا من أن انهيار «إسرائيل» يعني
انهيار أوروبا!



إذاً، هناك في العالم من يشعر بأن
«إسرائيل» تمثل رأس حربته في المنطقة، وأنها جزء من مشروعه في مواجهة الأمة وتطويع
المنطقة والسيطرة عليها وعلى مقدراتها، بالتالي فمن الطبيعي أن يكون المقابل
للمشروع الصهيوني بامتداداته العالمية، مشروعاً عربياً إسلامياً أو مشروعاً
فلسطينياً بامتداداته العربية والإسلامية والإنسانية، أي أنه مشروع على مستوى
الأمة وليس مشروعاً قطرياً مجرداً.



يضاف إلى ذلك أن فلسطين لها خصوصية
استثنائية عند الأمة العربية– مسلمين ومسيحيين – وعند الأمة الإسلامية ، بحكم
تاريخها ومكانتها وموقعها الديني والجغرافي والاستراتيجي. ففلسطين، والقدس بخاصة،
هي قبلة المسلمين الأولى ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه، فهي بوابة
الأرض إلى السماء، وهي أرض القداسة والبركة، وأرض الرسل والرسالات، وهي مهد المسيح
عيسى عليه الصلاة والسلام. وفلسطين كذلك ليست على تخوم العالم العربي والإسلامي،
بل في القلب منه ومن العالم، لذلك من الطبيعي بل الحتمي أن يكون لهذا الصراع
تأثيراته وتفاعلاته الكبيرة مع المحيط العربي والإسلامي والإنساني.


ونحن في ذات الوقت لسنا مع
تجاوز الخصوصية الفلسطينية، ولا نراها نقيضا للبعد العربي والإسلامي للصراع؛ فهي
مسألة طبيعية ولها مبررات إنسانية وواقعية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:31


ودينية. في المفهوم الإنساني
والواقعي، من الطبيعي أن أي شعب يتعرض لعدوان أو احتلال خارجي، فإن واجبه أكبر من
غيره ومقدم عليه في مواجهة هذا العدوان؛ ولا يوجد شعب في الدنيا مهما كانت
امتداداته الدينية أو القومية، يمكن أن يعتمد على الآخرين وينسى دوره، فدور الشعب
الفلسطيني دور طليعي وأساسي في المعركة، ولا يجوز تعطيله تحت أية مبررات، ولا يجوز
اعتباره ملحقا بالدور العربي والإسلامي، هو دور أصيل وكبير ومتقدم، يتكامل مع
الدور العربي والإسلامي ولا يتناقض معه.



أما في البعد الديني والفقهي، فإنه
متى احتل العدو جزءا من أرض الأمة، فالواجب على من هم في هذه الأرض الدفاع عنها،
ثم يتسع الواجب ليشمل من يليهم، وتتسع الدائرة حتى تشمل كل الأمة؛ فالقرب الجغرافي
له أهميته، وكلما اقتربتَ من المركز زادت أهمية دورك، وتضاعفت مسؤولياتك، ومن
المركز بعد ذلك تمتد الحلقات وتتسع، فبعد الحلقة الفلسطينية تكون الأولوية للحلقة
العربية، فالحلقة الإسلامية، ثم الإنسانية.



إذاً، فلسفتنا تقوم على أساس تأكيد
أهمية العمق العربي والإسلامي والإنساني للصراع، وفي ذات الوقت نؤكد على أهمية
وخصوصية الدور الفلسطيني في أخذ زمام المبادرة والصدارة في المواجهة وفي الخندق
المتقدم للمعركة، يقاوم ويضحي في الميدان، ثم يطلب من الأمة أن تشاركه معركة
التحرير.



في فترة من الفترات، اعتقد البعض
أن اختلال موازين القوى، واتساع حجم الصراع وامتداد أبعاده عالميا، وتداخله مع
أجندات الغرب والشرق، يجعل الشعب الفلسطيني عاجزا عن الصمود في المعركة، وهذا فهم
خاطئ. صحيح أن الشعب الفلسطيني لا يستطيع منفردا أن يتصدى لأعباء المعركة، لأنها
كما نؤكد دائماً ليست معركة محلية بل عالمية، لكنه يستطيع أن يبدأها ويتحمل
مسؤولياتها، كما فعل ذلك بفضل الله عزّ وجلّ دائماً، وأن يصمد ويصبر بل ويتعملق في
ميدان المواجهة، وأن يستنزف المشروع الصهيوني ويصارعه في كل الميادين وبكل الوسائل
المتاحة، ويتمسك بكل حقوقه. هو شعب عظيم لديه تصميم وإرادة عالية وقدرة هائلة على
العطاء وتقديم التضحيات، لكن لا يجوز أن يترك وحده في ساحة المواجهة، وهذا لا
يتناقض مع استقلالية القرار الفلسطيني، ولا يعني التغوّل على الخصوصية الفلسطينية،
على العكس من ذلك، فإن المشاركة العربية والإسلامية في المعركة تعزز قوة القرار
الفلسطيني ولا تضعفه؛ لأنها تجعله غير خاضع للابتزاز الإسرائيلي والأمريكي، أما
حين يترك الفلسطيني وحده بمعزل عن عمقه العربي والإسلامي فإن القرار الفلسطيني
يتعرض للخطر، ويكون خاضعا للضغط والابتزاز الأجنبي بل والمعادي كما هو واقع اليوم
للأسف.


* لكن رؤيتكم لمشروع التحرير
وللشراكة بين «الفلسطيني» و»العربي»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:32


و»الإسلامي»، تناقض الواقع الحالي
الذي تهيمن عليه القطريات والانحيازات الضيقة على امتداد الساحة العربية.. كيف
يمكنكم التوفيق بين هذه الرؤية وبين حالة التفسخ والتفكك والقطرية ومنطق «اللهم
نفسي»؟



- المنطق والعقل يقتضيان أن ننقل
الناس من واقعهم القائم إلى الواقع المنشود. فهم الواقع ضروري وخطوة أساسية، ونحن
ندركه جيداً ولا نتجاهله، ولكن لا نستسلم له، إنما ننهض به بالتدريج لنصل إلى
المبتغى والمنشود.



نحن ندرك معطيات الواقع والعوائق
التي تؤثر فيه، وخاصة طغيان القطرية والتفكك في السياسة العربية بشكل عام،
وأحياناً للأسف تحاول بعض النظم أن تؤثر سلباً على المزاج الشعبي لتأخذه إلى
منطقها القطري، ، مع أن هذا المزاج الشعبي أكثر تعافياً في مسألة القطرية
وأولوياتها الضيقة من المزاج الرسمي، لكن أحياناً تستغل أحداث وظروف معينة لتغذية
بعض النزعات القطرية في التفكير والاهتمام، وهذا تفكير خاطئ، خاصة حين نرى العالم
اليوم يتجاوز القطريات بل والقوميات باتجاه بناء التكتلات الكبيرة، كما في أوروبا
وغيرها.



أحد مشكلاتنا اللافتة للنظر كأمة، أننا نستخدم
بسرعة كبيرة أحدث الموديلات فيما يتعلق بالأفكار السلبية والممارسات الهامشية
والسلع الاستهلاكية، لكن حين يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية وبتجارب الشعوب والأمم
وخبراتها ونجاحاتها ومشاريعها الإيجابية، فإننا نلتقط الأفكار متأخرين، وربما لا
نلتقطها. العالم اليوم، وفي ظل الاقتصاد العابر للقارات، والإعلام والفضاء
المفتوح، وعالم الفضائيات والإنترنت، والاتصالات والمواصلات السريعة، والتداخل
والتأثير المتبادل بحكم ذلك، أصبح العالم ينزع نحو التكتلات الكبرى، وإلى التفكير
والتخطيط على مستوى القارات والأمم وليس على المستوى القطري والمحلي، إلا أننا ما
زلنا متخلفين عن الأخذ بذلك أو بطيئين، علماً بأننا لسنا في حاجة إلى انتظار نماذج
الآخرين، فلدينا هويتنا وثقافتنا وإرثنا الحضاري في هذا المجال، ننطلق منه ونبني
عليه تجربتنا الخاصة، مع الانفتاح على تجارب العالم من حولنا.



في موضوع القطرية والانحيازات
الضيقة، هناك مستويان: المستوى الرسمي، والمستوى الشعبي. في تقديري المستوى الشعبي
بصورة عامة متجاوز لحدود القطرية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية والمركزية
للأمة، وفي المراحل الحساسة، فقد أثبتت شعوب الأمة أصالتها ووعيها وعمق انتمائها
لقضاياها الأساسية، ونحن لدينا ثقة بأن الشعوب متعافية بصورة عامة من هذه اللوثة،
ولا شك أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التعبئة والتوعية والجهد الدؤوب وتوفير البرامج
العملية.


أما المستوى الرسمي فلا شك
أنه يشكل المشكلة الأساسية. نعم نحن ندرك أن هناك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:33


واقعاً رتب البعض أو الكثير
أوضاعهم على أساسه، ونحن لا نطلب من النظم والحكومات أن تخرج من ذلك الواقع
بالكامل دفعة واحدة؛ لأنه أصبح واقعا ثقيلاً، ولكن ما نطلبه ألا يكون الهم القطري
والمحلي على حساب المصالح والهموم العربية والإسلامية المشتركة، خاصة أن هناك
أطراً رسمية تجمع الأمة، كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، حتى لو
كانت تقليدية ولا تؤدي أدوارها بفاعلية، ولكن نستطيع تطوريها وتفعيلها لتخدمنا
جميعاً، وتحمي مصالحنا وأمننا وتحفظ هيبتنا بين الأمم.



ثم إن الأمة ثبت لديها عملياً أنها
مهما حاولت فإن تنأى بنفسها عن قضية فلسطين فإن الواقع يجرها إلى ذلك جرّا، لأن
قضية فلسطين ليست عادية، وعلاقة الأمة بها كذلك ليست عادية. ومهما حاول البعض أن
ينأى بنفسه عن الصراع مع المشروع الصهيوني، عملياً لن يستطيع ذلك. حتى الذين
أبرموا اتفاقيات سلام مع «إسرائيل» يجدون أنفسهم عاجزين عن تحقيق أهدافهم المعلنة
من تلك الاتفاقيات، وهم ما زالوا لا يأمنون على أنفسهم من خطر المشروع الصهيوني
وتهديداته ومن أطماعه وتطلعاته التوسعية.



فمصر التي أبرمت أول اتفاقية مع
«إسرائيل»، قبل ثلاثة عقود، ما زال الإسرائيليون يستهدفون دورها الإقليمي وأمنها
ومياهها ومنابع نيلها. والأردن ما تزال «إسرائيل» تهدد وجوده، وليس فقط مياهه
ومصالحه وأمنه، وما انفك الصهاينة يتحدثون عن مشاريع التوطين والوطن البديل، وعن
أن الدولة الفلسطينية مكانها في الأردن وليس في فلسطين. إذاً وفي ضوء رصيد التجربة
فإن المنطق القطري لا يلبي ولا يستجيب حتى لمتطلبات القطرية التي اختارها البعض
وحصر نفسه فيها.



من هنا فإننا نتعامل مع الأمور
بواقعية، ونراعي التدرج في الخروج من الحالة الراهنة ونتفهم العوائق والتحديات.
نحن لا نقهر الناس قهراً على تبنّي قناعاتنا، ولا نجبرهم إجباراً، ولكن نسعى لذلك
بالإقناع والتواصل وبحسن إدارة العلاقة وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول،
وبالتلطف معها في الوصول إلى قواسم مشتركة. نحن لا نقول للعرب: تفضلوا قوموا
بالدور نيابة عنا كفلسطينيين، لكننا نقول لهم: قفوا معنا ونحن أمامكم في الطليعة،
نحن أول من يضحي ويستشهد ويُعتقل ويُجرح ويُهدم بيته. نحن نقدم القضية الفلسطينية
للآخرين من موقع من يتحمل المسؤولية، ثم يقول لهم: تعالوا معنا وشاركونا
المسؤولية، فلا يصح أن تحجب القطرية أمتنا عن دورها الحقيقي في قضية فلسطين وتجاه
الصراع مع المشروع الصهيوني.



نعم، هناك عوائق، لكن لا نستسلم
لها، وفي اعتقادنا أن السلوك اليومي للعدو وما يعكسه من دلالات وأبعاد ومخاطر، وأن
تطور الصراع على أرض فلسطين يقود الأمة عملياً، أرادت ذلك أم لم ترده، إلى
المشاركة الفاعلة فيه.



* رئيس الجامعة الأردنية الدكتور
خالد الكركي أكد قبل أيام على ضرورة إعادة الصراع إلى أصله: عربي إسرائيلي، لا
فلسطيني إسرائيلي.. هل ترون أن مفكري الأمة وعلماءها ومثقفيها مطالبون بتأكيد هذه
الرؤية، وبإعادة التأصيل بما اعتبر سابقا من البديهيات؟



- هذه فرصة للإشادة بمواقف الدكتور
خالد الكركي التي تتجلى بين الحين والآخر.. وفيها الأصالة والروح العربية
الإسلامية الصادقة، فله الشكر على ذلك، والشكر والتقدير كذلك لكل النخب والمثقفين
العرب الذين يحافظون على هذه الروح والأصالة ويتمسكون بها ويجاهرون بها بكل شجاعة.



إننا نرى أنه على الجميع، حتى
السياسيون منهم، ألا يخضعوا لمتطلبات السياسة الضيقة، بل أن يفكروا بإطار السياسة
الأوسع، خاصة أن السياسي وإن كان يعيش تحت وقع الضرورات أحياناً أو كثيراً، لكن
احتكاكه المباشر بتفاصيل القضية، واطّلاعه على حجم التحديات والتعنت عند العدو
والأطراف الأخرى، يملي عليه ذلك أن يفكر بالإطار الأوسع والأرحب للصراع ولا يتقوقع
في القطرية الضيفة، فكيف حين نتحدث عن المثقف الذي هو بالضرورة متحرر من ضغوط
السياسة وضروراتها.



المثقف الذي يعبّر عن نبض الأمة،
ومهمته الطبيعية تبشيرها وإلهامها، هو أولى الناس بردّ الأمة دوما إلى الكليات
والبديهيات وإلى أساسيات الصراع وأبعاده الحقيقية، وأعتقد أن المثقف إذا لم يقم
بهذه المهمة يكون قد ارتكب خطأ فادحا بحق نفسه ووطنه وأمته، وفوق ذلك يكون قد خالف
مسؤوليات المثقف ودوره الحقيقي.



حين يؤكد الدكتور خالد الكركي على
العمق العربي والروابط العربية، وحين يحدّد طبيعة الصراع، هو محقّ في ذلك ويصيب
كبد الحقيقة. وأنا أضيف إلى ذلك البعد الإسلامي، فهو أيضاً أساس في هذا الصراع،
انطلاقاً أن المشروع الصهيوني يستهدف - عملياً وفي الحقيقة - الفلسطينيين والعرب
والمسلمين، بل ويستهدف المجتمع الإنساني بأسره وأمن العالم ومصالحه.



بالتالي فإن استدعاء العمق العربي
ضروري جدا، واستدعاء العمق الإسلامي هام للغاية أيضا، واستدعاء العمق الإنساني لا
غنى عنه كذلك؛ ولعل أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة كان نموذجاً لالتقاء كل هذه
الأبعاد، واليوم أصبح هذا الصراع يطرق ضمير العالم والإنسانية، فليس معقولا أن نجد
متضامنين من غير العرب والمسلمين، كثير منهم مسيحيون وبعضهم يهود، ثم نأتي بعد ذلك
لنختزل الصراع في إطار فلسطيني ضيق، ولنزهد في العمق العربي الإسلامي الذي يشكّل
مصدر قوة لنا في الصراع، وبعداً أساسياً من أبعاده.



* حماس
والتناقضات الطائفية والعرقية:



* ثمة من يسعى لتفجير تناقضات
طائفية وعرقية في المنطقة، والبعض يرى ذلك جزءا من مخطط لتفكيك الأمة وتفتيتها..
يحصل ذلك في العراق والسودان وفي مواقع
أخرى؛ كيف تنظرون أنتم إلى المسألة؟


- هناك عدة أبعاد في التعامل مع
هذه القضية بالغة الأهمية :



البعد الأول: إدراك الواقع بدقة
وتوازن، ونحن ندرك أن هناك قدراً واسعاً من التعدد والتنوع في المنطقة وفي الأمة.
هناك تعدد ديني، ومذهبي، وعرقي، وقومي؛ هذا التعدد لا يجوز التغاضي عنه من حيث
معرفته وإدراكه ومعرفة تأثيراته وانعكاساته ومتطلباته.



البعد الثاني: أن الأمة مرّ عليها
زمن طويل في الماضي والحاضر القريب وهي تعيش ذات الحالة من التعدد والتنوع، ومع
ذلك فلم يؤد إلى صراع ولا إلى تفتيت الجسد الواحد، فلماذا يثار هذا الصراع اليوم؟
وهل استيقظ البعض على هذا التعدد وكأنه شيء جديد يستوجب أن ندخل على أساسه صراعات
دموية ومواجهات داخلية؟!



هذا منطق مرفوض، فالأمة عاشت هذه
الحالة قروناً طويلة واستوعبتها، في ظل امتزاج حضاري وتسامح ديني ومذهبي وقومي،
واستفادت من هذا التنوع وتعاملت معه من موقع توظيفه إيجابيا، لا كعامل لإثارة
الأحقاد والصراعات. وهذا يقتضي من الأمة اليوم أن تستعيد عافيتها، وأن ترفض كل
الدعوات لأي شكل من أشكال التناقض أو الصراع بسبب التعدد والتنوّع في نسيجها
الداخلي.



فلا يجوز أبدا إثارة النعرات بين
مسلم ومسيحي .. نحن أمة متسامحة، وعاش المسلمون والمسيحيون في ظلال الحضارة
العربية الإسلامية حالة مميزة من التسامح والتعاون والتمازج الحضاري. كما لا يجوز
إثارة النعرات بين سنّي وشيعي.. نعم هناك فروقات واختلافات حقيقية ندركها جميعاً،
ولا أحد ينكرها، لكن لا يجوز أن تكون مدخلاً للصراع، هذا ضارّ بوحدة الأمة
وبمصالحها. ولا يجوز أيضاً الدخول في صراعات قومية أو عرقية، بين عرب وأكراد
وتركمان وبربر، ... الخ، نحن أمة امتزجت أعراقها وقومياتها وتعايشت مذاهبها وتنوعت
ثقافاتها في إطار الأمة الواحدة، وإذا كان الإسلام ليس دين الجميع، فإن حضارة
الإسلام هي حضارة الجميع في هذه الأمة.


أما البعد الثالث: فهو أن
إثارة هذه النعرات وتضخيمها هو جزء من أجندة معادية،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:39


أجندة صهيونية واستعمارية غربية،
على قاعدة «فرق تسد»، من أجل الهيمنة على المنطقة والسيطرة على مقدّراتها؛ تلك
الأطراف أدركت أن هذه الأمة لها تاريخ عريق، وأنها تملك روابط ووشائج قوية تجمعها،
فخططت لقطع هذه الروابط، وفصل هذه الأواصر، على طريق الاستعمار والهيمنة على دول
المنطقة بصور مختلفة. من هنا ينبغي الحذر من الوقوع في فخ الأجندات الصهيونية
والأمريكية.



البعد الرابع: أن علاج هذه الحالات
يكون بأن تنهض الأمة وتتعافى، فالجسم المريض تكثر علله، وعندما يكون هناك ضعف في
المناعة العامة، نجد كثرة الأمراض والعلل مع أول تغيرات في البيئة المحيطة. اليوم،
عندما تعيش الأمة هذه الحالة من الضعف، خاصة في ظل كثرة الأعداء والمتربصين، فإن
فرصة نمو هذه الصراعات الداخلية بأشكالها المختلفة أو إثارتها عن عمد تكون عالية؛
ولا يكون الحل بأن نستجيب لهذه الصراعات بحجة أننا ندافع عن العروبة في وجه
القوميات الأخرى أو العكس، أو أننا ندافع عن الإسلام في وجه الأديان الأخرى أو
العكس، أو أننا ندافع عن السنّة أو الشيعة أو أصحاب المذاهب والطوائف الأخرى في وجه
بعضنا البعض، هذا منطق الضعفاء والمرضى، والأمة المتعافية هي التي تستطيع أن تعالج
أية تداعيات سلبية لهذا التنوع، بل تعمل على استيعابه في سياق النهوض والعمل
المشترك. ونقول لبعض أبناء الأمة أو مسؤوليها الذين يخشون توظيف أي طرف في العالم
أو في المنطقة لعوامل التعدد في الأمة: إن العلاج ليس أن نقع في فخ الآخرين
ومصائدهم والعزف على نغمة الخلاف والانقسام، ولكن العلاج الحقيقي يكون بتعافي
الأمة ونهوضها من حالة الضعف وامتلاك أسباب القوة، وحشد جهودها وجبهتها الداخلية
في مواجهة أعداء الأمة الحقيقيين، عندها يصبح التعدد عامل قوة وليس عامل ضعف
وتمزيق، وتستطيع الأمة حينها إيجاد الصيغة الملائمة للتعايش والسلم الاجتماعي بين
كل مكوناتها.



• حماس
والحركة الإسلامية:



* ما طبيعة العلاقة التي تربط حماس
بالحركة الإسلامية ببعدها العالمي، وهل تستفيدون وحدكم من هذه العلاقة، أم أنها
فائدة متبادلة باتجاهين؟



- حماس كحركة مقاومة وتحرر وطني،
وبحكم هويتها الإسلامية وتاريخها وجذورها الإخوانية، تتقاطع مع الحركات الإسلامية
في العالم بمساحات مشتركة؛ هذه المساحة من الانتماء لا نستحيي منها بل نتمسك بها.
حماس تعتز بهذا التاريخ وبهذه الجذور والخلفية، وبهذه المساحة من التقاطع مع
الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، ولكنها لا تحصر نفسها في ذلك؛ فهي
بحكم كونها حركة تحرر وطني وحركة مقاومة، وبحكم خصوصية الصراع في فلسطين وأبعاده
العربية والإسلامية، وبالنظر إلى موقع الحركة في الصراع العربي الإسرائيلي،
وإدراكها لمتطلبات هذا الصراع ولمسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني، فإنها منفتحة
على مختلف الدوائر الفكرية والحزبية والسياسية في العالم العربي الإسلامي؛ نحن
منفتحون على دوائر العمل الوطني والقومي والإسلامي، وعلى مختلف التيارات الفكرية
والسياسية في العالم العربي؛ نتعاون معهم ونتقاطع في المساحات المشتركة، ونسعى
لتوحيد الجهود وحشدها من أجل فلسطين ومواجهة الصراع مع المشروع الصهيوني، ومن أجل
قضايا الأمة الرئيسة وأمنها ومصالحها المشتركة.



أما بخصوص من استفاد من العلاقة
حماس أم الحركات الإسلامية، أقول: كل واحد استفاد من الآخر؛ وإذا كان العالم
العربي والإسلامي يشكّل عمقنا، فالحركة الإسلامية في مواقع وجودها هي عمق له
خصوصية ضمن هذا العمق العربي الإسلامي الواسع؛ وقد استفدنا من إرث تجربتها
وخبراتها، ومن وسطيتها واعتدالها، فلا شك أنه يُشهد للحركة الإسلامية بالوسطية
والاعتدال؛ والجهاد والمقاومة لا يتناقضان مع الاعتدال؛ المقاومة سلاح يستخدم
لمواجهة عدوان خارجي، ولإنهاء احتلال أجنبي، وهي ليست سلاحا موجها ضد الداخل في أي
بلد عربي أو إسلامي.



الفهم الشامل للإسلام، والإيمان
بخط الجهاد والمقاومة، والوسطية والاعتدال، والانفتاح على الآخر والتسامح معه،
والسعي لخدمة الناس، والاهتمام بالمجتمع المحلي وبالقضايا الوطنية والاجتماعية إلى
جانب الاهتمام بقضايا الأمة وهمومها، كل هذه مفاهيم تتبناها الحركة الإسلامية التي
لها إرث جميل وفعّال وإيجابي؛ حماس استفادت بالتأكيد من هذا الإرث باعتبارها جزءا
من ذات المدرسة، وهذا يحسب للحركة الإسلامية؛ لكن هذا لا يعني عدم وجود أخطاء، فكل
تجربة إنسانية لها أخطاؤها وسلبياتها كما لها إنجازاتها وإيجابياتها، ولا بد أن
نذكر لكل صاحب فضل فضله.



كذلك حماس تستفيد من الحركة
الإسلامية في مواقعها المختلفة، كما تستفيد من كل الحركات السياسية في التفاعل مع
قضية فلسطين، ولا شك أن الجميع منخرط في دعم القضية الفلسطينية وإسنادها، ولكن
بدرجات متفاوته، ونحن نسعى لتفعيل ذلك، وتطوير هذا الإسناد إلى حالة من الشراكة.
فالشارع العربي والإسلامي بكل طيفه السياسي والفكري، وبكل قواه وأحزابه وحركاته،
منفعل مع القضية ومشدود لها، ويدعم مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده؛ وبحكم أن
الحركة الإسلامية في بلادها هي – على الأغلب - من يقود الشارع في هذه المرحلة،
ويشكّل القوة الأبرز والأكثر تأثيرا في الشارع، فإن دورها مقدّر ومشكور، إلى جانب
كل القوى السياسية والحزبية في تلك البلاد والتي نحترم دورها ونقدّره عاليا.



في الانتفاضتين البطوليتين، وفي كل
محطات النضال الفلسطيني المهمة، كان هناك تفاعل عربي وإسلامي واضح، ودور الحركة
الإسلامية إلى جانب قوى الأمة الأخرى، كان مميزا في إطار هذا التفاعل العربي
والإسلامي، ونحن استفدنا كثيرا من هذا الزخم. وأعتقد أن صانعي القرار في العواصم
الغربية، فضلا عن العدو الصهيوني، يدركون أهمية هذا الامتداد لحركة حماس وللشعب
الفلسطيني في العمق العربي والإسلامي، فكيف وقد بدأ هذا الامتداد يتسع ويتحرك في
الفضاء الإنساني الرحب.



هذه الاستفادة، وهذا التأثر
والتأثير في الامتداد والعمق الذي تشكله الحركة الإسلامية، لا يعني التداخل
التنظيمي، فتنظيمات الحركة الإسلامية مستقلة عن بعضها البعض، وكل يعمل داخل ساحته
بقراره التنظيمي؛ نحن أمام حركات لها أطرها التنظيمية وهيكلياتها الخاصة، وقرارها
المستقل وتنظيمها المستقل، ولها أولوياتها وشؤونها الداخلية وقراراتها
واجتهاداتها، ولها في ذات الوقت هويتها الإسلامية ومرجعيتها الإسلامية الفكرية
المشتركة، دون أن تتعارض مع المرجعية الوطنية ومصالح الأمة والوطن؛ وهناك أيضا
الهموم المشتركة لهذه الحركات، إلى جانب بقية قوى الأمة، كقضية فلسطين، ومواجهة
الهيمنة الأمريكية، واحتلال العراق وأفغانستان، والأطماع الأجنبية، .. الخ.



لكن، هل كانت الاستفادة في معادلة
العلاقة من طرف واحد؟ أقول: لا، فالحركة الإسلامية في مختلف مواقع وجودها استفادت
هي الأخرى من حماس؛ فنجاح حماس كحركة تحرر وطني ذات صبغة إسلامية، شكّل نجاحا
للحركات الإسلامية في العالم، كما أن حماس أسهمت في تطوير التجربة الإسلامية
المعاصرة؛ نعم، هي استفادت من تجربة الحركة الإسلامية ومن إرثها، لكنها أيضا طوّرت
التجربة الإسلامية المعاصرة، وأضافت إليها ونضّجتها، سواء بتجربتها العسكرية أم
السياسية؛ وفي تجربتها بإدارة العلاقات على المستويات العربية والإقليمية
والدولية، وفي انفتاحها على الآخر، وفي إجابتها على أسئلة شائكة؛ بل وأسهمت في
تطوير بعض مفاهيم الفكر والفقه الإسلامي تجاه قضايا مهمة، لأنك كلما خضت التجربة
العملية بصورة أكبر، استلزم ذلك اجتهادات أكثر، وبالتالي تتطوّر المفاهيم
بالممارسة ومواجهة التحديات، وفي ذلك إثراء للتجربة.



لا شك أن تجربة حماس شكّلت – بفضل
الله تعالى - تطويرا وإثراء لتجربة الحركة الإسلامية في ميدان المقاومة وتطوير
أدواتها ومساراتها وزخمها، كنموذج متقدم للتجربة الإسلامية في مقاومة الاحتلال،
وكذلك في ميدان السياسة والمشاركة في مؤسسات القرار السياسي، وفي التعامل مع
التجربة الديمقراطية، ليس فقط على صعيد التنظير، إنما على صعيد الممارسة؛ وكذلك في
تحمّل مسؤوليات الشعوب وحاجاتها اليومية.



لعله قد تشكّلت بأذهان البعض في
فترات معينة التباسات تجاه الحركة الإسلامية بالنسبة إلى حجم دورها وانخراطها في
العمل الوطني، كثير منها ظالم ومجحف، لكن بعضها ربما له ما يبرره في سياقات
تاريخية معينة، علماً أنه في بعض المراحل والمحطات التاريخية لم يسمح للحركة
الإسلامية بلعب دورها في المعركة ضد الاحتلال الصهيوني، فجاءت حماس بهذه التجربة
الواسعة والعميقة معوضة عن ذلك الغياب، الذي كان في معظم فتراته قسرياً لا
اختياريا؛ فموقف الحركة الإسلامية أصيل وثابت تجاه القضايا الوطنية وفي مواجهة
المحتلين، لكنها لم تتمكن من القيام بدورها في بعض الفترات نتيجة ظروف معينة؛ حماس
جاءت لتعطي الزخم والنموذج الأوضح في المقاومة وفي مواجهة الاحتلال، وهذا أيضا صبّ
في أحد وجوهه في رصيد الإسلام المقاوم، إلى جانب كونه تعبيراً وطنياً طبيعياً
تمارسه الحركة انطلاقاً من مسؤولياتها الوطنية، فنحن جزء من شعبنا، ونحن بالتالي وبالضرورة
جزء من حركته الوطنية وتجربته النضالية وخياره الجهادي المقاوم.






التفاوض مع
العدو






* التفاوض مع العدو، هل ترفضونه من
حيث المبدأ؟ وإذا لم يكن التفاوض مع العدو، فهل يكون مع الصديق؟ هل المرفوض لدى
حماس مبدأ التفاوض، أم شكله وإدارته ونتائجه؟



- لا شك أن هذا الموضوع من
الموضوعات الشائكة والحسّاسة التي يـُؤثر كثيرون تجنّب الخوض فيها وتحديد موقف
واضح إزاءها، خشية ردود فعل سلبية، أو تفسيرات غير سليمة؛ ويزيده حساسية وحرجا
الظلالُ القاتمةُ التي التبست به جراء التجارب المريرة للتفاوض الفلسطيني
الإسرائيلي، والعربي الإسرائيلي؛ والناس متأثرون بذلك، وباتت لديهم حساسية شديدة
تجاه مصطلح «التفاوض»، خاصة لدى العقل الجمعي والمزاج الجمعي للأمة؛ صار هناك مقت
ونفور من مفهوم التفاوض؛ وهذا أمر مستوعب ومتفهّم وطبيعي، لكنه لا يمنع من تناول
الموضوع ووضع النقاط على حروفه، وفرز الأمور فرزا دقيقا يضع كل أمر في نصابه بإذن
الله.



لا خلاف على أن التفاوض مع الأعداء
غير مرفوض، لا شرعاً ولا عقلاً، وخاصة أن هناك بعض المحطات في الصراع بين الأعداء
قد تتطلب وجود التفاوض. هذا في المنطق العقلي والشرعي؛ فالتفاوض كأداة ووسيلة قد
يكون مقبولاً ومشروعاً في لحظة معينة، وقد يكون مرفوضاً وممنوعاً في لحظة أخرى، أي
أنه ليس مرفوضا لذاته، ولا مرفوضاً على الدوام.



في التاريخ الإسلامي، في عهد
الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي العصور اللاحقة، وأيام صلاح الدين الأيوبي، كان
هناك تفاوض مع الأعداء، لكن ضمن مفهوم واضح وفلسفة محددة، وضمن سياق ورؤية وقواعد
وضوابط تحكم هذا التفاوض، مغايرة للصورة المريرة والبائسة التي يمارسها من باتوا
يحترفون التفاوض ويعتبرونه منهج حياة، وخيارا استراتيجيا وحيدا يشطبون من أجله
بقية الخيارات.



إذا كانت المقاومة، على قدرها
وشرفها، وسيلة لا غاية، فهل يعقل أن نجعل التفاوض غاية وخيارا وحيدا ونهجا دائما،
لا وسيلة وتكتيكا قد يتم اللجوء إليه عند الضرورة والحاجة وتوّفر الموجبات؟!



لذلك المفهوم القرآني واضح؛ الله سبحانه وتعالى
يقول: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله»؛ أي أن التفاوض يكون مقبولا ومعقولا
ومنطقيا في مفهومنا كأصحاب قضية عادلة، عندما يضطر العدو إليه، عندها يأتينا
للتفاوض وهو مستعد لدفع الثمن والاستجابة لمطالبنا؛ أما أن نسعى نحن إليه، ونلهث
وراءه، ونعتبره خيارنا الوحيد، فعندها نحن من سيدفع الثمن؛ فالذي يضطر إلى التفاوض
هو في العادة من يدفع الثمن. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة
الأخرى: «ولا تهنوا وتدعو إلى السلم وأنتم الأعلون».



ونعود للآية الأولى «وإن جنحوا
للسَّلم فاجنح لها» فقد سبقها قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط
الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». ماذا يعني ذلك؟ يعني أن القوة وامتلاك أسبابها
هي التي من شأنها دفع العدو اضطراراً إلى السلم، وأن جنوح العدو للسلام والتفاوض،
هو ثمرة للجهاد والمقاومة وامتلاك القوة، ومن يفكر بالتفاوض بعيدا عن المقاومة،
ودون أن يمتلك أوراق القوة، فإنه يذهب عملياً نحو الاستسلام.



في علم الاستراتيجية وإدارة
الصراعات، التفاوض هو امتداد للحرب، ونوع من إدارة الحرب بطريقة أخرى، فما تأخذه
بالتفاوض على الطاولة هو نتاج وضعك على الأرض، وحصيلة ميزان القوى في الميدان؛
فإذا كنت مهزوما في الميدان، ستهزم لا شك في التفاوض؛ وإذا كانت الحرب تحتاج إلى
موازين قوى، فالتفاوض يحتاج هو الآخر إلى موازين قوى، والسلام يحتاج إلى موازين
قوى؛ لأن السلام لا يصنع بين طرف ضعيف وآخر قوي، وإلا كان استسلاما. الولايات
المتحدة لم تصنع سلاما مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بل فرضت
عليهم استسلاما واتفاقية إذعان وخضوع. باختصار السلام يصنعه الأقوياء وليس
الضعفاء، والتفاوض يمكن أن يخدم الأقوياء وليس الضعفاء.



الحالة بالنسبة للصراع مع الاحتلال
الإسرائيلي مختلفة، فهناك نبت غريب جاء إلى المنطقة وفرض نفسه على أرض وشعب، وشرّد
الناس من أرضهم، وأحل مكانهم مهاجرين استجلبهم من شتات الأرض. بالتالي هي حالة
معقدة، وينبغي التعامل معها تعاملا دقيقا وحسّاسا.



التفاوض حين تتوفر شروطه ومتطلباته
الموضوعية، وعلى رأسها وضع يتوفر فيه قدر كافٍ من التوازن والتكافؤ النسبي، وحين
تتأكد الحاجة إليه، مع التوقيت المناسب له، لا تعجلاً ولا إبطاءً، عندئذ يمكن أن
يكون أحد الخيارات التي نلجأ إليها باعتباره آلية وأداة ووسيلة، وليس هدفاً ولا
غاية، ولا حالة دائمة ولا خياراً استراتيجياً. التفاوض أداة تكتيكية؛ وكما أن
الحرب ليست حالة دائمة، ولها متطلباتها وشروطها، كذلك التفاوض.



وبهذه الرؤية المحددة للتفاوض،
وحين يـُمارس بحذر شديد، وقواعد صارمة، وفي التوقيت الصحيح، فإنه يكون مقبولاً
ومفيداً في سياق إدارة الصراع، وبغير ذلك فلا يقود إلاّ إلى الاستسلام والخضوع
لهيمنة العدو وشروطه، والتفريط بالحقوق، والخفض المتواصل لسقوف المطالب والمواقف
السياسية.



وللأسف، فإن الحالة العربية
والفلسطينية – في الأغلب - بالنسبة لهذا الموضوع، غاية في السوء؛ هي حالة مكشوفة،
بلا أوراق تفاوض، وبلا سند، بلا مناورة، ولا هوامش إخفاء أو غموض. الصفّ الفلسطيني
مكشوف بالكامل، بحيث يذهبون إلى السلام وهم يعلنون أنه الخيار الاستراتيجي الوحيد؛
وإذا كان عدوك يعلم أنك لا تملك إلا التفاوض، ولا تتحدث إلا عن السلام، ولا تملك
خيارا آخر، فما الذي يضطره لتقديم التنازلات لك؟!



المفاوض الفلسطيني يقول: التفاوض هو الخيار
والنهج والبرنامج الوحيد؛ وهو ينسّق أمنيا مع العدو، ويطبّق خريطة الطريق
ومتطلباتها الأمنية مجاناً، دون أن يقدّم الإسرائيلي أي مقابل. فما الذي يجبر
أولمرت أو نتنياهو على إعطائه أي شيء!!



التفاوض في الحالة الفلسطينية خارج
عن سياقاته الموضوعية؛ وبالمنطق السياسي المجرد هو يفتقر إلى المقاومة ولا يستند
إلى أوراق القوة اللازمة. الفيتناميون – على سبيل المثال - فاوضوا الأمريكيين
حينما كانوا يتقهقرون، فكان التفاوض حينئذ مفيداً لطي آخر صفحة من صفحات الاحتلال
والعدوان الأمريكي. فأنت بقدر ما تملك من أوراق قوة على الأرض، وتحسن استثمارها،
بقدر ما تنجح في التفاوض، وفي فرض شروطك على عدوك.



لذلك، وحتى لا يكون التفاوض عملية
خطرة وعبئاً عليك، فإنك تحتاج أن تكون رسالتك لعدوك واضحة، أنك منفتح على كل
الخيارات، ليس بالكلام فقط، بل بالفعل أيضا. فلا يمكن للمفاوض أن ينجح إذا لم
يستند إلى قاعدة تعدد الخيارات، بمعنى أنك بمقدار استعدادك للتفاوض، فإنك مستعد
وقادر على الذهاب إلى الحرب؛ وإذا وصل التفاوض إلى طريق مسدود، فينبغي أن تكون
جاهزا للذهاب إلى الحرب أو الاستنزاف أو المقاومة؛ بدون ذلك لا قيمة للتفاوض.
وعلينا أن نتذكر أن التفاوض في الحروب قديماً، كان كثيراً من الأحيان يجري في ساحة
المعركة، فإما أن يصل المتفاوضون إلى حلّ، وإما أن يستأنفوا الحرب.



التفاوض، هو أداة وتكتيك في خدمة
الاستراتيجية، وليس استراتيجية قائمة بذاتها، كما أنه ليس بديلاً عن المقاومة
واستراتيجية المواجهة مع الاحتلال.



ولا بد أن يكون التفاوض مستندا إلى
وحدة موقف وطني؛ فإذا ما رأى فريق جدوى خطوة ما باتجاه التفاوض، وانفرد بالقرار عن
المجموع الوطني، فإنه يضع نفسه في وضع صعب، ويمنح عدوه فرصة سيستغلها ضده
بالتأكيد؛ كما أن من شأن ذلك أن يدفع المفاوض إلى تقديم تنازلات كبيرة حتى لا يضطر
إلى الاعتراف بفشل خياره التفاوضي، فيؤثر حينئذ تقديم مصلحته الذاتية على حساب المصلحة
الوطنية، كيلا ينكشف أمام شعبه وأمام الآخرين.



والتفاوض له مساحاته ومجالاته
المحددة وليس خياراً مطلقاً في كل الأمور، فهناك أمور لا يجوز التفاوض عليها،
فالثوابت الحاسمة لا يجوز التفاوض عليها. التفاوض آلية وتكتيك ضمن هوامش ومساحات
محددة، وليس هناك عاقل يتفاوض على كل شيء خاصة على الأصول. التفاوض في التجارة
يكون في الغالب على الأرباح وليس على الأصول التجارية؛ لكن للأسف، فإن التجربة
الحالية خاصة بالنسبة للمفاوضات الفلسطينية خرجت على كل هذه القواعد.



بكل أمانه وشجاعة أقول: التفاوض من
حيث النظرة المطلقة، ليس حراماً ولا ممنوعاً، لا بالميزان الشرعي ولا السياسي، ولا
بتجارب الأمة والإنسانية، ولا بممارسة حركات المقاومة والثورات عبر التاريخ؛ لكن
ينبغي أن يخضع لمعادلات وضوابط وحسابات وظروف وتوقيتات وسياقات وطريقة إدارة
صحيحة، وبدونها يصبح أداة معاكسة ومدمرة.



في الحالة الفلسطينية؛ نقول إن
التفاوض اليوم مع «إسرائيل» خيار خاطئ. وقد عرض على حماس التفاوض مع «إسرائيل»
مباشرة لكنها رفضت، وعرض على قياداتها أن تلتقي عددا من القيادات الإسرائيلية،
بعضها في موقع السلطة كما حصل في عرض إيلي يشاي، وبعضها محسوب على معسكر السلام، ،
لكن حركة حماس رفضت تلك العروض.



التفاوض اليوم – في ظل موازين
القوى القائمة - يصبّ في خدمة العدو، ولا يخدم الطرف الفلسطيني؛ حيث لم يتطور واقع
الصراع على الأرض إلى حالة تجبر العدو الصهيوني على اللجوء إلى التفاوض،بل ما زال
إلى اليوم يرفض الانسحاب من الأرض، ولا يعترف بالحقوق الفلسطينية؛ والتفاوض في مثل
هذه الحالة يصبح نوعا من العبث والمقامرة.



في ظل ضعفنا واختلال موازين القوى،
«إسرائيل» تستخدم التفاوض أداة لتحسين علاقاتها وتلميع صورتها لدى المجتمع الدولي،
وتستغله لكسب الوقت، ولإيجاد وقائع جديدة على الأرض، عبر بناء المستوطنات، وتهجير
السكان، وتهويد القدس وهدم أحيائها وتفريغها من أهلها، كما تستفيد منه غطاء لتمرير
جرائمها، ولخفض سقف المطالب الفلسطينية. «إسرائيل» تستغل التفاوض للتطبيع مع
العالم العربي والإسلامي واختراقه، ولتشويه طبيعة الصراع، وهي المستفيد الوحيد من
المفاوضات بصورتها القائمة.



التفاوض في ظل الخلل القائم في موازين القوى، هو
إخضاع للطرف الفلسطيني لمتطلبات المحتل الإسرائيلي ولشروطه وإملاءاته؛ هو ليس
عملية متكافئة، فكما لا يوجد حالياً تكافؤ في ميدان المواجهة، لا يوجد تكافؤ على
طاولة المفاوضات.






حماس
والاعتراف:






* مسألة الاعتراف بالكيان الصهيوني
تثير الكثير من اللغط، وثمة حديث عن اعتراف قانوني وآخر واقعي.. ما موقف حماس من
هذه المسألة؟



- موقفنا من موضوع الاعتراف بشرعية
الاحتلال واضح ومحسوم، لا نداري فيه ولا نواري؛ لقد وُضع الاعتراف بـ «إسرائيل»
شرطاً للانفتاح الدولي علينا، بالتالي أصبح عقبة في طريقنا، لكننا لم نبال بذلك،
وأظهرنا تصميما على الصمود أمام هذا التحدي، لأن الاعتراف يعني «شرعنة» الاحتلال،
وإضفاء الشرعية على ما ترتكبه «إسرائيل» من عدوان واستيطان وتهويد وقتل واعتقال
وجرائم وحشية بحق شعبنا وأرضنا؛ وهذا غير مقبول وفق القانون الدولي ووفق القيم
الإنسانية، فضلا عن الأديان السماوية.


فمن المرفوض إعطاء الشرعية
للاحتلال وسرقة الأرض؛ الاحتلال جريمة، والسرقة جريمة، ولا يجوز بأي حال من
الأحوال أن تحظى بالشرعية، وهذه مفاهيم لا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:42


خلاف حولها في المفهوم الإنساني
العام، فكيف الحال بالنسبة للفلسطيني الذي هو الضحية وصاحب الأرض التي انتزعت منه
غصبا وقهرا؟! هذه مسألة مبدأ ترتبط بوجودنا الإنساني الذي يتناقض مع الاعتراف
بشرعية الاحتلال والاغتصاب، فكيف حين يضاف إلى ذلك ما يربطنا بهذه الأرض المباركة
المقدسة من مشاعر وطنية ودينية، وانتماء حضاري، وعمق تاريخي له جذوره الضاربة في
القِدم.



الآخرون وقعوا في هذا الفخ نتيجة
العجز والخضوع للضغوط الخارجية، وظنوا أن الاستجابة لهذه الشروط والضغوط قد يسهل
عليهم الانتقال إلى مراحل متقدمة في برنامجهم السياسي، لكن ثبت عملياً أنهم دفعوا
ثمناً باهظا مقابل الوهم. هم أخطأوا بالمنطق المصلحي، كما أخطأوا بالمنطق المبدئي.



ونحن نرفض موضوع الاعتراف بمعناه
القانوني، كما نرفضه بمعناه الواقعي، ففرق بين أن أقول إن هناك عدواً اسمه
«إسرائيل»، وبين أن أقر بشرعيته؛ هذا لا يسمى اعترافاً واقعياً. باختصار نحن نرفض
الاعتراف بشرعية «إسرائيل»؛ لأننا نرفض الاعتراف بشرعية الاحتلال وسرقة الأرض،
وهذا مبدأ واضح وحاسم بالنسبة لـنا.



* لكن، ألا تستغربون هذا الإصرار
الإسرائيلي والدولي على مسألة الاعتراف بـ «إسرائيل»، ألا يشكل ذلك، في أحد
أبعاده، مؤشر ضعف، حيث تظهر «إسرائيل» كمن تشك في وجودها وتطلب اعتراف الآخرين
بشرعية هذا الوجود؟



- بلا شك.. العدو قلق على مستقبل
كيانه، خاصة في ظل التطورات الأخيرة؛ ونفسيته مثل نفسية اللص والمجرم الذي مهما
بلغت قوته يشعر في النهاية أنه خارج على القانون، ومفتقر إلى الشرعية. اشتراط
الاعتراف هو بالتأكيد مؤشر ضعف، وتعبير عن عقدة النقص، وعدم الثقة بمستقبل هذا
الكيان، والإحساس بأنه لا يملك الشرعية، وبأنه ما زال مرفوضاً من شعوب المنطقة،
وجسماً غريباً عنها، وأن مجرد وجود الشعب الفلسطيني صامداً هو تعبير عملي عن رفض
القبول بالكيان الصهيوني ورفض الاعتراف بشرعيته.



لكن، ثمة بعد آخر وهو الشعور
بالفوقية، هذا المنطق تتعامل به الدول الغربية مع دول العالم الثالث؛ والصهاينة
يتعاملون بنفس المنطق استنادا إلى التفوق العسكري، ويشعرون بأنهم الطرف الذي من
حقه أن يملي الشروط على الآخرين، بما فيها الشروط المسبقة لأي تعامل أو تفاوض.



هذا المنطق للأسف استجابت له بعض
الأطراف الفلسطينية والعربية، وهذا الخلل لا يجوز أن نقبله. في حواراتنا مع الوفود
الأجنبية نجدهم باستمرار يتحدثون عن شروط الرباعية؛ وبعضهم يعرض علينا شروطا مخففة
تسهيلاً للقبول بها؛ نحن رفضنا الشروط من حيث المبدأ، كما رفضنا مناقشتها حتى في
سياق البحث عن صيغ مخففة لها. مبدأ الشروط مرفوض، فهو يعني وجود مستويين من البشر،
ووجود طرف مهيمن على طرف؛ طرف له اليد العليا، وآخر له اليد السفلى؛ إنسانيتنا
وكرامتنا واحترامنا لأنفسنا يأبى علينا إلا أن نكون ندا للآخر حتى لو كان أقوى منا
عسكرياً ؛ وبالتالي نرفض أن يتعامل معنا بشروط مسبقة.



للأسف، من الأخطاء التي تغريهم
بهذا النهج، أن البعض قبل بتلك الشروط ومنها موضوع الاعتراف، ثم اقترف خطأ آخر حين
لم يقايض الاعتراف بـ»إسرائيل» بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بل قايضه بأن تعترف
به هو؛ وهذا خلل كبير إلى جانب الخلل الأصلي وهو الاعتراف !! فمن غير المعقول أن
تعترف بـ»إسرائيل» مقابل أن تعترف هي بمنظمة التحرير أو بحركة ما، وليس بالشعب
الفلسطيني أو بالدولة الفلسطينية أو بالحقوق الفلسطينية؛ هذا معناه أنك قايضت
المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة، قايضت الهدف الوطني الكبير بهدف حزبي صغير، نقول
ذلك مع التأكيد على رفضنا لموضوع الاعتراف بصرف النظر عن ثمنه.



لذلك في حواراتنا مع تلك الوفود
الغربية، نقول لهم: رغم حرصنا على التواصل معكم والانفتاح على دول العالم، لكننا
لا نستجدي ولا نبحث عن اعتراف غربي بنا كحماس، هذا لا يهمنا؛ فشرعيتنا نابعة من
الشعب الفلسطيني، ومن صناديق الاقتراع، ومن الديمقراطية الفلسطينية، ومن شرعية
النضال والتضحيات والمقاومة، ومن عمقنا العربي والإسلامي، ولا نبحث عن شرعية
تأتينا من الخارج؛ ما نسعى لتحقيقه وانتزاعه هو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بحق
شعبنا في الحرية والخلاص من الاحتلال وحق تقرير المصير، ولن يكون ذلك مقابل
الاعتراف، لأن الاعتراف هو في النهاية إقرار بشرعية الاحتلال والعدوان وسرقة
الأرض.



* برأيكم لماذا يرفض المجتمع
الدولي والجانب الإسرائيلي عرض الهدنة طويلة المدى التي طرحتها حماس؟



- هذا الرفض من الكيان الصهيوني
والإدارة الأمريكية وبعض الأطراف الدولية عائد إلى عدة أسباب:



السبب الأول: منطق القوة والتفوق
والهيمنة لدى هذه الأطراف، فهم يعتقدون أن قوتهم المتفوقة تمكّنهم من فرض ما
يشاؤون علينا، ويعتبروننا كفلسطينيين وعرب الطرف المهزوم الذي لا يسعه إلا أن يوقع
صك الاستسلام كما فعلت ألمانيا واليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وليس أن
يقدم حلولاً أو أفكاراً أخرى، كالهدنة وغيرها.



السبب الثاني: أنهم يرون أطرافاً
عربية وفلسطينية تعرض عليهم عروضاً أكثر إغراءً، فكيف يستجيبون لعرض هدنة، في حين
يعرض عليهم الآخرون الاعتراف بـ «إسرائيل» مقابل حل على أساس حدود 67، مع
استعدادهم للتفاوض معها على تفاصيل ذلك الحل، أي الحدود والقدس وحق العودة !!



السبب الثالث: أن تجربة الأمريكان
والصهاينة وغيرهم مع أطراف أخرى في المنطقة، تغريهم بالاستنتاج أن مزيداً من الضغط
علينا سيلجئنا إلى حالة الضرورة كما فعل الآخرون، فهم جربوا سياسة الضغوط
والابتزاز مع غيرنا ونجحت تلك السياسة، ما يدفعهم للقول: لنجرب ذلك مع «حماس»
لعلها تخضع كما خضع غيرها.



أضف إلى ذلك أن بعض العرب
والفلسطينيين – للأسف - يقولون لهم: حاصروا «حماس» وضيّقوا عليها مالياً وسياسياً،
وحرّضوا عليها، ولا تنفتحوا عليها مباشرة، وحافظوا على شروطكم، ولا تستعجلوا،
فـ»حماس» ستخضع في نهاية المطاف!



هذه الأسباب، وربما غيرها، تدفعهم
إلى أن لا يقبلوا عرض الهدنة. وفي الحوار مع الوفود الغربية نقول لهم: نعم، مواقف
غيرنا أسهل، ومواقفنا أصعب، إلا أن ميزتنا أننا حين نقدم عرضاً أو نحدد موقفاً
فإننا نجتهد أن يكون قابلاً للتطبيق على الأرض، وفي ذات الوقت يمكن أن يحظى بثقة
الشعب الفلسطيني والجمهور العربي والإسلامي، ولا يكون كذلك إلا إذا كان غير متناقض
مع ثوابته الوطنية وحقوقه ومصالحه.



أما مواقف البعض الآخر في الساحة
الفلسطينية، فهي وإن كانت سهلة إلا أنها مفتقرة إلى الرضا والقبول من غالبية الشعب
الفلسطيني وقواه الوطنية ونخبه المثقفة، فما قيمة ذلك عملياً، ما قيمة الوصول مع
بعض القيادات إلى حلول أو اتفاقات ترفضها الأغلبية من الشعوب؟! فقد فُرضت أوسلو من
قبل،وفشلت، لأنها كانت مجحفة وغير ملبية لتطلعات شعبنا، وظلت منبتَّةً عن الواقع
الفلسطيني والعربي.



من هنا نحن ندرك أنهم سيضطرون في
النهاية إلى التعاطي مع رؤية «حماس»، ورؤية القوى والقيادات المتمسكة بالثوابت
الوطنية. ونحن نقول لهم: إذا كنتم قادرين على تحقيق نجاح في المنطقة من خلال
المشاريع الأخرى، حاولوا وستصلون إلى طريق مسدود.



قد يسهل على القوى الكبرى الميل
إلى الحلول السهلة مع القيادات والحكام دون أن تنظر إلى أهمية أن تكون هذه الحلول
مقنعة ومرضية للشعوب، ويغيب عن هؤلاء أن التصالح مع القيادات والحكومات وحدها مؤقت
ونَـفَـسه قصير، ولا يصنع استقراراً في المنطقة مهما بلغ حجم الضغط والقهر الذي
يمارس على الشعوب، إلا أن النجاح لأي مشروع مطروح يتحقق فقط حين تقتنع به الشعوب،
وتشعر أنه مُرضِ لها ومنصف، ولو مرحليا. والبعض في الغرب بدأ يدرك اليوم أهمية هذا
الأمر، لذلك هو يطوّر موقفه حالياً – ولكن بطيئاً - باتجاه التعاطي مع «حماس»، وما
زالت هناك عوائق تحول دون ترجمة هذا التطور المحدود إلى خطوات حقيقية جادة، ونحن
في المقابل لسنا مستعجلين، فالذي يهمنا ليس دورنا، ولكن التزامنا بحقوق شعبنا
ومصالحه.






حماس
واليهود:






* مقاومة حماس، هل هي موجّهة ضد
الصهاينة بصفتهم يهودا أم بصفتهم محتلين؟



- لا نحارب الصهاينة لأنهم يهود،
بل نحاربهم لأنهم محتلون. السبب وراء حربنا مع الكيان الصهيوني ومقاومتنا له هو
الاحتلال، وليس الاختلاف في الدين. المقاومة والمواجهة العسكرية مع الإسرائيليين
سببها الاحتلال والعدوان والجرائم التي يرتكبونها بحق الشعب الفلسطيني، وليس بسبب
الاختلاف معهم في الدين والمعتقد.



رغم أننا ندرك جيداً أن «إسرائيل»
تستدعي الدين وتوظّفه في المعركة، وتستدعي أحقادا تاريخية، ونصوصا محرّفة، وأساطير
وخرافات، وعواطف دينية؛ وتوظف ذلك كله في المعركة ضد الفلسطينيين والعرب
والمسلمين، حتى القيادات الصهيونية العلمانية، ومنذ بداية الحركة الصهيونية، تستغل
الدين وتوظفه سياسياً؛ والكيان الصهيوني أصلاً قائم على عنصرية الدين، أو العنصرية
الدينية، لكن خلافنا معهم في الدين ليس هو الذي أوجد حالة الحرب والمقاومة ضدهم،
وإنما نقاتلهم لأنهم محتلون.



بالنسبة لنا، الدين يشكل ركناً
أساسياً في حياتنا وانتمائنا وهويتنا وثقافتنا وسلوكنا اليومي؛ ومن طاقتنا التي
تعزز صبرنا وصمودنا، وتدفعنا إلى مزيد من التضحية والعطاء، فهو طاقة هائلة في
مواجهة الظلم والعدوان والقوى الغاشمة المتربصة بشعبنا وأمتنا، لكننا لا نجعل
الدين طاقة تورّث الأحقاد، ولا سبباً أو غطاء لظلم الآخرين أو العدوان عليهم، أو
انتزاع ما ليس لنا، أو التعدي على حقوق الآخرين.






حماس
والعلاقات الدولية:






* هل أنتم راضون عن مستوى
إنجازاتكم على صعيد العلاقات الدولية؟ وما موقع هذه العلاقات في فكر حماس وبرامجها
وأولوياتها؟



- العلاقات الدولية في فكر حماس
السياسي لها عدة أبعاد:



البعد الأول؛ القناعة بأن معركة
فلسطين في أحد وجوهها، هي معركة الإنسانية ضد الظلم والطغيان الإسرائيلي وضد
المشروع الصهيوني العنصري الذي يستهدف العالم والإنسانية بأسرها، ويهدد مصالح
الشعوب والأمم، ولا يقتصر شرّه وخطره على فلسطين والفلسطينيين والعرب والمسلمين.



البعد الثاني؛ ضرورة تسويق قضيتنا
العادلة، وكسب المزيد من الأصدقاء المؤيدين لحقوقنا المشروعة، ولحقنا في مقاومة
الاحتلال والعدوان. وقد ثبت عملياً أن الضمير الإنساني ما زال فيه خير، ويمكن
إيقاظه وتحريكه لصالحنا إذا أحسنّا عرض قضايانا، واجتهدنا في كشف الكيان الصهيوني
على حقيقته. ولعل موضوع كسر الحصار عن غزة، والنجاح في كسب هذا العدد الكبير من
المتضامنين لهذه القضية من خلال حركة السفن إلى غزة، نموذج لأهمية هذا البعد. مع
التذكير والتأكيد على أن المواجهة مع الكيان الصهيوني – شعبياً وعبر المقاومة –
كما في حرب غزة وجنوب لبنان وأسطول السفن على سبيل المثال، هي التي تكشف الوجه
القبيح لهذا الكيان، وليست المفاوضات واللقاءات معه، فهي تجمّل صورته وتغطي على
حقيقته وجرائمه.



البعد الثالث؛ كما أن «إسرائيل»
تحاصرنا وتلاحقنا على المسرح الدولي، فإن علينا أن نلاحقها في كل المحافل الدولية؛
فلا يجوز أن نترك هذا المسرح حكراً عليها. وللأسف فإن الجانب الفلسطيني والعربي
الرسمي قصّر كثيرا في هذا الأمر، وغاب دوره الحقيقي، لكن الذي خفف من هذا التقصير
والغياب هي جهود الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية التي تحركت في الآونة
الأخيرة بشكل أفضل على الصعيد الدولي وحققت نجاحات مؤثرة، واختراقات مهمة، وساهمت
في كسب أصدقاء ومؤيدين للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية والإسلامية، وعملت على
كشف الوجه الحقيقي البشع والدموي لـ»إسرائيل» التي أصبح سلوكها العدواني والوحشي
يصدم الشعور والضمير الإنساني، ويتناقض مع القيم الأخلاقية للشعوب الغربية ولكل
شعوب العالم. كما ساهمت هذه الجاليات وفعالياتها المختلفة في ملاحقة «إسرائيل»
قانونياً وقضائياً.



البعد الرابع؛ نحن معنيون بنسج
شبكة علاقات قوية وفاعلة على كل المستويات؛ الدولية إلى جانب العربية والإسلامية،
وقد أنشأنا لدينا في الحركة قسماً خاصاً للعلاقات الدولية يُعنى بهذا الجانب،
لأننا نعتبره أحد عوامل القوة والانفتاح وكسب التأييد الدولي للقضية والحركة.



البعد الخامس؛ بناء العلاقات
الدولية يبدأ من هنا، أي من داخل المنطقة، فهنا الزرع الأساس، وهناك في الغرب
الحصاد والقطاف مع قدر مطلوب من الزرع والعمل الدؤوب كذلك.



أي أن عامل القوة الأساس لتحقيق
الاختراق والنجاح في العلاقات الدولية، هو بأن نكون أقوياء على الأرض، منغرسين
فيها، ملتفين حول شعبنا وأمتنا، نمارس المقاومة والصمود، عندها يحترمنا العالم،
ويدرك أنه لن يكون هناك سلام ولا استقرار في المنطقة إلا إذا تعامل معنا، وأعطانا
الاعتبار الذي نستحقه، واحترم مصالحنا وحقوقنا ومطالبنا المشروعة، وتراجع عن
سياساته الراهنة القائمة على الانحياز لـ»إسرائيل» وتجاهل الفلسطينيين والعرب
والمسلمين.



لقد حققنا في هذا المجال نجاحات
جيدة بفضل الله، غير أن الطريق ما يزال طويلا وأمامنا شوط بعيد. ونحن راضون نسبيا
عن حجم الإنجاز الذي تحقق في ظل حجم العوائق التي تواجهنا وتوضع في طريقنا. ولا
يغيب عن البال أن مستوى العلاقات ومردود الكسب المتحقق، لا يعتمد علينا وحدنا،
إنما على الطرف الآخر أيضاً، فهكذا هي العلاقات السياسية، بل والإنسانية.



وإذا ما أردنا أن نقيس مستوى
المردود المتحقق من وراء الجهود التي بذلناها، بحجم الاختراق والتأثير الصهيوني في
العالم، ستظهر الفجوة واسعة؛ ففي ظل السياسة الغربية التي نظرت إلى «إسرائيل»
كامتداد طبيعي لها، فقررت دعمها بلا حدود؛ وفي ظل ضعف الأداء العربي، والدبلوماسية
العربية، وكذلك التحريض الذي مارسته أطراف فلسطينية وعربية ضد الحركة، لا شك أن كل
ذلك أثّر في حجم النجاحات والإنجازات.



لدينا الآن جملة علاقات رسمية على
المستوى الدولي، كالعلاقة مع روسيا، وعدد من دول أمريكا اللاتينية، وبعض الدول
الآسيوية والأفريقية، كما أن لدينا علاقات دولية رسمية أخرى، بعضها من تحت الطاولة
نتيجة ظروف الآخر، وعلاقات غير مباشرة عبر مسؤولين سابقين يتواصلون معنا بعلم
المسؤولين الرسميين في دولهم، كما الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
وهذا كله تطوّر مهم، ولن يطول الزمن بإذن الله حتى يتطور ذلك إلى التعامل بالمستوى
الواضح والرسمي والواسع مع الحركة.



ونحن هنا لا نتحدث عن العلاقات
الدولية من موقع التلهّف والتهالك والاستعجال والبحث عن مجد حزبي، إنما نبني هذه
العلاقات ونتابعها برصانة واتزان واحترام للذات، من منطلق تحقيق المكاسب للقضية
الفلسطينية، لا المكاسب الحزبية الضيقة.






حماس
والاصطفافات والمحاور:






* شهدت الساحة العربية في السنوات
الأخيرة سياسة محاور واصطفافات، وصنفتم ضمن محور الممانعة. كيف تنظرون إلى هذه
الحالة التي سيطرت على المشهد السياسي العربي، وأين ترون موقعكم منها، وهل تعتقدون
أنها تصب في صالح الأمة؟



- سأتناول الإجابة من ثلاث زوايا:


الأولى: هناك تجمع مذموم، وآخر
محمود. التجمع المذموم ، هو التجمع مثلاً على أساس العرق أو الأفكار القطرية
الضيقة، أو غيرها، في مواجهة الآخرين، بمعنى أن تستدعي عوامل الفرز والاصطفاف
الداخلي، على مستوى الوطن أو الأمة، التي تفرّق ولا تجمع.



لكن أن يتجمع الناس على الخير،
وعلى نصرة الشعب الفلسطيني، وعلى مقاومة العدو الصهيوني، وعلى مواجهة التطبيع
والتصدي لجهود الأعداء لاختراق الأمة، ومواجهة الهيمنة الأمريكية واحتلالها للعراق
وأفغانستان، والوقوف في وجه محاولات السطو على ثروات الأمة .. كل هذا تجمع محمود،
ولا يجوز المساواة بين التجمعين.



لذلك، نحن عندما نقول إننا في مربع
المقاومة والتمسك بالحقوق الفلسطينية وبحق العودة والانحياز لفلسطين والقدس
ومقدسات الأمة، وأننا نرفض الاحتلال الصهيوني، ونرفض الخضوع لإملاءات الأعداء،
فهذا شيء نفخر به ولا نستحيي منه. هو واجب الأمة، والله سبحانه وتعالى يقول:
«وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». فالتداعي لمثل هذا
النوع من التعاون والتجمع مطلوب، ولا ينبغي إن فعلنا ذلك أن نخشى من أن نتهم
بالانحياز لمحور من المحاور.



الزاوية الثانية، أننا لا نعتبر
تمسكنا بالمقاومة ورفضنا الخضوع لشروط الرباعية ولشروط الأعداء، وللرؤية الأمريكية
الإسرائيلية للتسوية، وللتنازل عن الحقوق الفلسطينية، لا نعتبر أن ذلك يأتي في
مواجهة أطراف فلسطينية أو عربية، وإنما في مواجهة العدو الصهيوني؛ أما من تتقاطع
أجندته مع أجندة الأعداء، أو يخضع لهم ويتماشى معهم تحت ثقل ضغوطهم؛ ويشارك في
حصارنا أو التحريض علينا، فهو الذي يضع نفسه عملياً في مواجهة مشروع المقاومة.



ومع ذلك فنحن لا نعادي أحداً من
شعبنا وأمتنا، ولم نشكِّـل محوراً فلسطينياً عربياً أو مسلماً ضد محور فلسطيني
عربي آخر، وما زلنا نمد أيدينا للجميع، وحريصون على التواصل مع الجميع، وإقامة
العلاقة مع الجميع، وإن كانت ثمة قطيعة أو برود علاقة مع أحد، فهو الذي يكون قد
اختار هذه القطيعة أو البرود معنا، ولسنا نحن، والجميع يعلم هذه الحقيقة، فنحن
نطرق أبواب العرب جميعاً، منهم من يفتح الباب لنا، ومنهم من يغلقه في وجوهنا.



الزاوية الثالثة، إذا جاز لنا أن
نختلف في اصطفافاتنا السياسية وفي تقديراتنا للموقف السياسي يوم أن كانت التسوية
مجرد مشروع تحت الاختبار، ويوم كان الناس يعانون من الأثمان الباهظة لمشروع
المقاومة، فهل يجوز لنا أن نختلف اليوم بعد أن أظهر مشروع التسوية فشله وانسداد
أفقه السياسي، وثبت أن أثمانه باهظة وتبعاته كبيرة، أكبر بكثير من الأثمان
والتضحيات المترتبة على مشروع المقاومة؟!



نحن ندعو كل دول الأمة وقواها إلى
الاصطفاف جميعاً في مربعنا الطبيعي كأمة؛ فحينما تتعرض الأمة للاحتلال فمربعنا
الطبيعي والأولوية حينئذ هي المقاومة، وحينما نتعرض للعدوان فمربعنا الطبيعي أن
نتوحد في مواجهة العدوان، وحين تعيش الأمة حالة استقلال فمربعنا الطبيعي والأولوية
حينئذ هي البناء والنهوض الاقتصادي والعمراني والنهضة الحضارية بكل أبعادها.



الأمة مطالبة اليوم بأن تستجيب
للتحديات، وأن تضع نفسها في المربع الطبيعي، ونحن نتمنى أن يكون الجميع في هذا
المربع، خاصة بعد أن جربوا خياراتهم وفشلت، وثبت أن الرهان على الأمريكان وغيرهم
لا يجدي. جُرّب الأمريكان في فلسطين والعراق وأفغانستان، وجربهم الشاه قبل ذلك في
إيران، وكانت النتيجة بائسة. نقول للأنظمة وللحكومات العربية والإسلامية: إن أقرب
طريق للمحافظة على أنظمتكم وحتى على وجودكم في السلطة هو أن تنحازوا إلى خيارات
أمتكم وشعوبكم.



القيادات العربية الرسمية أعطت
نفسها فرصة لأن تخوض العديد من التجارب والمحاولات على طريق التسوية والمفاوضات،
وآخرها كانت تجربة المبادرة العربية للسلام، والتي وجّهوا من خلالها رسالة واضحة
وسخية بأن الدول العربية مستعدة لتقديم الاستحقاقات لقاء خطوات يقدّمها الطرف
الآخر، وهذا العرض مضى عليه الآن أكثر من ثماني سنوات دون أن يحظى بأي احترام لا
من العدو الصهيوني ولا من الإدارة الأمريكية ولا من المجتمع الدولي، اللهم إلا بعض
عبارات المجاملة العابرة.



وخلال لقاءاتنا مع كثير من الزعماء
والمسؤولين العرب، كنا وما زلنا نقول لهم: بعد هذه التجربة، وبعد أن وصلت الخيارات
إلى طريق مسدود، ألا يستحق الأمر أن نتوقف وأن نبحث عن خيارات بديلة؟ وكنا نقول
لهم كذلك إن التراجع عن مشروع التسوية والمبادرة العربية لا يعني بالضرورة الذهاب
إلى حروب رسمية ليست متاحة اليوم مع «إسرائيل»، بل هناك خيار آخر يتمثل في دعم
المقاومة، وبالتالي تستطيع الأمة أن تصطف حول خيار واقعي وعملي، وأثبت قدرته على
الصمود، بل وقدرته على الإنجاز النسبي، وقابل للتطور الكبير في تأثيره ووزنه في
الصراع العربي الإسرائيلي خاصة حين يجد الدعم والاحتضان.



إذا كانت الحروب الرسمية مع العدو
في ظل اختلال موازين القوى متعذرة اليوم، وبالتالي يصعب على الأمة في وضعها الراهن
أن تلتقي على برنامج الحرب النظامية العربية في مواجهة «إسرائيل»، فليكن الخيار
الواقعي والعملي هو المقاومة، وهو ما جربناه ونجح في طرد الاحتلال من جنوب لبنان
وغزة، ونرى آثاره في أفغانستان والعراق واضحة للعيان.



لذلك نعتقد أن دعوة دول الأمة
وقواها جميعاً للاصطفاف في مربعها الطبيعي ليست دعوة نظرية أو عاطفية مجردة، بل هي
تنطلق من قاعدة خيار عملي جُرّب ونجح، والأمة قادرة على ممارسته، على المستوى
الرسمي والشعبي، خاصة في ظل فشل خيار التسوية والمفاوضات، وفي ظل استهانة قادة
العدو بنا، وجرأتهم علينا، وفي ظل خذلان الإدارات الأمريكية المتعاقبة للعرب
والمسلمين حتى لأصدقائها والمقربين.






حماس
والمسيحيون:






* وكيف تنظر حماس إلى المسيحيين
وإلى دورهم في القضية الفلسطينية؟



- الإسلام تعامل مع المسيحيين
تعاملا له خصوصيته بالقياس إلى أصحاب الديانات الأخرى، كما في الآية الكريمة
«لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدنّ أقربهم مودة
للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ... «. والعلاقات التاريخية بين المسلمين
والمسيحيين تميزت بوضع خاص عبر التاريخ منذ أن فُتحت فلسطين وتسلّم الخليفة الثاني
عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس كما هو معروف؛ حيث اشترطوا على
سيدنا عمر ألا يساكنهم اليهود في القدس، ومن ثم تمت صياغة علاقة متميزة بين
المسلمين والمسيحيين.



ثم إن فلسطين لها خصوصية
استثنائية، فهي أرض الأنبياء والرسل والرسالات، ومهد المسيح عليه السلام، ومسرى
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ وفلسطين إحدى النماذج المتقدمة في التسامح
والتعايش بين أصحاب الديانات، وهذا إرث يحمله الفلسطيني مسلما كان أم مسيحيا،
وبالتالي نشأت علاقات تاريخية مميزة.



وفي العقود الماضية منذ ثلاثينات
القرن العشرين كان الحاج أمين الحسيني رحمه الله يرعى مؤتمرات مسيحية وإسلامية،
وكان المسلمون والمسيحيون يتشاركون حملّ الهمّ، ويتعاونون في مواجهة التحديات.
الفلسطينيون - مسلمين ومسيحيين - كانوا في خندق واحد في مواجهة الاحتلال الصهيوني،
وهذا انعكس على دور الإخوة المسيحيين في الثورة الفلسطينية المعاصرة وفصائلها
المختلفة إلى جانب بقية أبناء الشعب الواحد.



و منذ انطلاقة حماس كانت العلاقة
مع الإخوة المسيحيين طبيعية وجيدة، ولم تنشأ أي مشكلة بيننا وبينهم، رغم أن بعض
القوى الفلسطينية حاولت - للأسف - تخويف المسيحيين من القادم الجديد .. حماس،
مستدعية للذهن كونها حركة إسلامية، لترويج تناقض حتمي مزعوم بينها وبين المسيحيين.
لكن محاولات التخويف تلك فشلت، وثبت للمسيحيين أن الحركة قريبة منهم، وأنها تتعامل
مع الجميع بتسامح وانفتاح واحترام، حيث راعت في الانتفاضتين الأولى والثانية
خصوصيات المسيحيين وأعيادهم، وكانت تحرص على ألا تتقاطع أيام الإضراب مع أعياد
المسيحيين ومناسباتهم، كما حرصت بشدة على ممتلكات المسيحيين؛ ليس هذا فحسب، بل
حرصت على أن يكون لهم دور فاعل في الحياة السياسية الفلسطينية، وكان لقيادات
الحركة في الداخل والخارج لقاءات عديدة مع القيادات والرموز الدينية و الوطنية من
الإخوة المسيحيين.



من أجل ذلك كله، حظيت حماس بتأييد
واسع لدى المسيحيين، قبل الانتخابات التشريعية عام 2006 وبعدها، وهناك الكثير منهم
انتخبوها في صناديق الاقتراع، ونحن عملنا على إنجاح عدد منهم في الضفة والقطاع،
فعلى سبيل المثال، نجح الدكتور حسام الطويل – مسيحي- في غزة بأصوات حماس ومؤيديها،
وأصوات المسلمين الذين انتخبوه كانت أضعاف أصوات المسيحيين؛ بحكم أن عدد الإخوة
المسيحيين في القطاع قليل.



وأذكر هنا قصة حدثت معي في أحد
المطارات العربية، لما لها من رمزية ودلالة، حيث بادر شخص وقدّم نفسه لي بأنه
فلسطيني، وقال إنه من بيت جالا، وإنه مسيحي، وإنه انتخب حركة حماس ولا زال
يؤيدها.. هو لم يكن مضطرا لأن يقول هذا الكلام، ولم يدفعه أحد لهذا الحديث، إنما
بادر إلى ذلك من تلقاء نفسه، وعبّر عن مكنونات صدره، وهذا نموذج للحالة الجيدة بين
الحركة والإخوة المسيحيين من أبناء شعبنا.



نحن نتعامل مع الإخوة المسيحيين
كمكون أساسي من مكونات الشعب والوطن، و كجزء فاعل في معركة النضال ضد الاحتلال،
بعيدا عن حسابات أن هذا مسلم وهذا مسيحي؛ نحن شركاء في الوطن، والجميع له حقوق
وعليه واجبات. وعندما نذكر رجالات الدين المتميزين في النضال من أبناء فلسطين،
نذكر على سبيل المثال، على المستوى الإسلامي الشيخ رائد صلاح والشيخ عكرمة صبري،
وعلى المستوى المسيحي المطران عطا الله حنّا؛ والمطران كبوتشي، وهكذا، حيث يشتركون
جميعاً في الدفاع عن القدس والقضية.



حركة حماس ربما فاجأت بعض
الليبراليين والعلمانيين في الساحة الفلسطينية من الذين ظنوا أو حتى روّجوا، أنها
بحكم هويتها الإسلامية ستتقوقع وتنغلق على نفسها، وقد تنشأ علاقة توتر بينها وبين
المسيحيين الفلسطينيين، ففوجئوا بعكس ذلك، لأن الدين ليس تقوقعاً ولا انغلاقاً،
على النقيض من ذلك، التدين يدفع صاحبه إلى التسامح واحترام الآخر والاعتراف
بحقوقه.



حماس
والمرأة:






* توجه الاتهامات عادة للحركات
الإسلامية بازدراء المرأة وبتهميش دورها في الحياة السياسية والاجتماعية؛ كيف
تنظرون إلى هذه الاتهامات في ضوء تجربتكم في حماس؟



- هناك للأسف فجوة بين مفاهيم
الإسلام الحقيقية في النظر إلى المرأة ، وبين التطبيق العملي في العصور المتأخرة؛
فهناك تطبيق وسلوك خاطئ ناشئ عن التخلّف، وليس نابعاً من نصوص الشريعة وروحها.



حتى في العصر الحاضر، ومع أنه يوجد
مستوى جيد من التقدّم في البلاد العربية والإسلامية، إلا أنه ما تزال هناك أخطاء
في التطبيق، تصدر في كثير منها عن عادات وتقاليد ومفاهيم كرّستها أوضاع معينة،
وبيئات معينة، وليست ناشئة عن الأحكام الإسلامية نفسها.



المرأة في نصوص القرآن الكريم وفي
الحديث الشريف مكلفة كالرجل، والقرآن حين يتحدث عن التشريع والأحكام فإنه يذكر
الرجل والمرأة معاً لأن الجميع مكلف، وله مسؤوليته القائمة بذاتها، كقوله تعالى
«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ..»،
وكقوله تعالى: «إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين
والقانتات،...»، وكقوله تعالى:» فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من
ذكر أو أنثى بعضكم من بعض،..». وفي الحديث النبوي، قوله عليه الصلاة والسلام: «
إنما النساء شقائق الرجال «، وغير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.



المرأة في المفهوم الإسلامي فكراً
وفقهاً وتكليفاً ودوراً، هي - فعلاً لا ادعاء- نصف المجتمع، ولها مكانتها
واحترامها. ولكن هناك فرقا كبيراً بين احترامها وتقديرها وإنزالها المكانة التي
تستحقها، واحترام دورها ومسؤولياتها في المجتمع، وبين ابتزازها وتقديمها سلعة
رخيصة كما تفعل الحضارة الغربية؛ فرق بين الحفاظ على عفتها وحيائها وصون حقوقها مع
إعطائها الدور المناسب لها، وبين التعامل معها كسلعة ومتعة وشهوة. هذه الضوابط
الأخلاقية ليست ضوابط إسلامية فقط، بل ضوابط فطرية وإنسانية.



نحن في حماس حريصون في موضوع المرأة
على استدعاء المفاهيم الإسلامية وتطبيقاتها النقية غير الممزوجة بعصور التخلف أو
بثقل العادات والتقاليد الاجتماعية النابعة من البيئة لا من النص الشرعي؛ خاصة أن
بيئة فلسطين ليست مغلقة، بل بيئة متحضرّة تاريخيا، وفيها تعدد وانفتاح على كل
الديانات والحضارات والثقافات.



حماس بهذا الفهم النقي الأصيل،
وكجزء وامتداد للتجربة الفلسطينية وإرثها، كان للمرأة في أعمالها ومسيرتها دور
متميز. لقد ظهر دور المرأة في الانتفاضة وفي المقاومة وفي أشكال العمل النضالي؛
ليس فقط كأمّ وزوجة وأخت للمجاهد، بل وكمجاهدة بنفسها، تنفّذ العمليات الفدائية؛
واستشهادية تفجّر نفسها، وداعمة لإخوانها المجاهدين والاستشهاديين تقدّم لهم
الخدمات اللوجستية؛ فهناك أخوات أوصلن المجاهدين إلى مواقع التنفيذ، كما حصل في
عملية «سابارو» وغيرها.



وفي السجون الصهيونية هناك العشرات
من الأخوات الأسيرات يتحملن معاناة السجن ويدفعن ضريبة الوطن والجهاد، إلى جانب
إخوانهن الأسرى.



دور المرأة كبير في الساحة الفلسطينية، وكبير
لدينا في الحركة، سواء في العمل الجهادي والنضالي، أم في ميدان العمل الاجتماعي
والخيري والتربوي، أم في المجال السياسي والنقابي. المرأة الفلسطينية متعلمة
ومثقفة، ونشاطها في المدارس والجامعات لا يقل أبدا عن دور الرجل.



انطلاقا من مرجعيتها الإسلامية،
ومن هويتها الحضارية العربية، ومن بيئتها الفلسطينية المتميزة، فإن المرأة عند
حماس أخذت موقعها المتقدم. ففي العمل السياسي وقبل أن يكون هناك مجلس تشريعي، كان
لها نشاط كبير في الحركة الطلابية الفلسطينية وفي الاتحادات والنقابات المختلفة؛
وعندما شاركت حماس في الانتخابات التشريعية، كان للمرأة في قوائم حماس حضور قوي
ونصيب وافر، وكذلك في الحكومة التي شكلتها حماس.



صحيح أنه يؤخذ على بعض الحركات
والجماعات الإسلامية إهمالها لدور المرأة، غير أننا نجد في المقابل عند بعض
الأحزاب والقوى العلمانية حالات انفلات وتجاوز تخرج عن الحدود والضوابط الأخلاقية.
حماس كانت معنية باشتقاق نموذج وسطي، يعطي المرأة دورها الحقيقي، بعيدا عن الفساد
والفوضى والانفلات من المبادئ الإسلامية والقيم والأخلاق، وفي ذات الوقت بعيدا عن
الانغلاق والتقوقع والتهميش؛ وأحسب أننا نجحنا بتوفيق الله في ذلك. بل أقول إن
للمرأة دوراً مهماً على الصعيد التنظيمي لحماس، وتسعى الحركة لتطوير دورها
ومشاركتها بصورة أفضل، ضمن البنية التنظيمية والهيكلية للحركة.



حماس ومنظمة
التحرير:



* هل تعتقدون أن منظمة التحرير
الفلسطينية ما زالت تصلح كإطار ومرجعية لتمثيل الشعب الفلسطيني وللتعبير عن
طموحاته في ظل ما آلت إليه أوضاعها، وفي ظل رفض المهيمنين عليها أي إجراءات
لتفعيلها وإصلاح هياكلها التنظيمية والإدارية؟



- لاشك أن واقع المنظمة اليوم بات موضوعاً
شائكاً وأزمة حقيقية في الساحة الفلسطينية، ويشكل تحدياً كبيراً لكل القوى
والشخصيات الفلسطينية. فالشعب الفلسطيني اليوم محروم من وجود مرجعية شرعية وحقيقية
له، تمثل بصدق قواه وفصائله وشخصياته ووجوده الواسع الممتد في الداخل والخارج،
وتعكس تطلعاته وحقوقه وثوابته ومصالحه الحقيقية، وفي ذات الوقت ممنوع عليه أن
يوجـِد هذه المرجعية الحقيقية من خلال إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على
الرغم من كل التوافقات والوثائق التي وقعت عليها مختلف الأطراف الفلسطينية، ونصت
على ضرورة إعادة بناء المنظمة وإصلاحها، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية.



ولذلك فنحن نحتاج إلى تناول هذا
الموضوع برويّة وتوازن ومسؤولية، ومن مختلف الأبعاد والزوايا، حتى نتمكن من إيجاد
مخرج مناسب وحقيقي من هذه الأزمة الوطنية، أزمة المرجعية.



البعد الأول: إن منظمة التحرير،
بالرغم مما أصابها من ضعف وتراجع، وما وقعت فيه قيادتها المتنفذة من أخطاء
وتراجعات سياسية، فإنها تبقى إطاراً له تاريخه وإنجازاته ورصيده في التجربة
الفلسطينية، مما يوجب على الجميع بذل أقصى الجهود من أجل البناء على هذه التجربة،
والعمل على إصلاح واقع المنظمة الراهن، ومعالجة أخطائها وترهلها، والمبادرة
بالتوافق الوطني إلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية حقيقية.



البعد الثاني: إن أي إطار وطني حين
يحصل على موقع اعتراف وقبول عربي وإقليمي ودولي؛ يغدو رصيدا لا يجوز التفريط به؛
فإن أمكن الاحتفاظ بهذا الاعتراف وهذا الرصيد، دون أن يكون ذلك على حساب حقوقنا
الفلسطينية وثوابتنا الوطنية،، فهذا أمر ينبغي أن نحرص عليه، ولا نفرط فيه، ولا
نتجاهله.



البعد الثالث: إن المرجعيات لدى
الشعوب وحركات التحرر لا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا لم تحظَ بتوافق المجموع، أو
الأغلبية الكبيرة والواضحة؛ ولا يستطيع طرف ما أن يدّعي أنه يستطيع أن يصنع وحده
مرجعية وطنية، وفي حال ادّعى ذلك فإنه يكون سبباً للمزيد من التشرذم والانقسام،
وهذه واحدة من التحديات الفلسطينية اليوم؛ نعم، قد ينجح أحد الأطراف في بناء
مرجعية خاصة به، لكنها بالتأكيد ليست هي المرجعية الفلسطينية، أي مرجعية المجموع
الفلسطيني.



كما أن الطرف الذي يختطف المنظمة
اليوم، ويتحكم في مقاليدها دون سند من شرعية ديمقراطية أو قبول فلسطيني وطني عام،
ويصرّ على احتكارها والهيمنة على قرارها، ويضرب بعرض الحائط كل قرارات التوافق
الفلسطيني على إعادة بنائها وإصلاحها، فإنه بذلك يكون قد قتل المرجعية وأفقد
المنظمة ومؤسساتها القيادية موقع المرجعية الوطنية وشرعية تمثيل الشعب الفلسطيني
في الداخل والخارج. نعم هو يمسك بورقة المنظمة شكلاً، لكنها ورقة بلا مضمون وشيك
بلا رصيد. والجميع يدرك أن المنظمة بيد ذلك الطرف لم تعد إلا وسيلة للاستدعاء والاستخدام
عند حاجته إليها للتوقيع على تنازلاته، أو لتحقيق بعض احتياجاته السياسية في محطات
معينة، متوهماً أن توقيع المنظمة يمنحها صفة الشرعية، مع أن فاقد الشيء لا يعطيه،
وفاقد الشرعية لا يمنحها.



هذه الأبعاد الثلاثة توضح حقيقة
التعقيد في موضوع المنظمة والمرجعية في ظل الواقع الراهن. ونحن في حماس ندرك ذلك
جيداً، ولذلك حريصون على معالجة هذا الموضوع مع مختلف القوى والشخصيات الفلسطينية
بروح المسؤولية العالية، التي تهدف إلى إيجاد مخرج حقيقي يجمع الشعب الفلسطيني
وقواه جميعاً على مرجعية حقيقية واحدة، وعدم اللجوء إلى خيارات تزيد الواقع
الفلسطيني تفسّخا وانقساما؛ وعدم السماح لأحد – في ذات الوقت - بالتحكم في موضوع
المرجعية وتعطيلها والاستمرار في اختطافها واحتكارها.



لقد قبلنا نحن وغيرنا أن تكون هذه
المرجعية الوطنية هي منظمة التحرير، بل نرحّب بذلك؛ ونسعى إليه بقوة، خاصة أننا
توافقنا فلسطينياً على ذلك مراراً، ولكن الأمر يقتضي إصلاحها وإعادة بنائها
ليدخلها الجميع، كي تعبّر عنّا جميعاً وعن شعبنا وقضيتنا. فلا معنى لمرجعية وطنية
لا يشارك فيها الجميع، ولا تسير بالتوافق العام وبناء مؤسساتها ديمقراطياً. مرجعية
الأمر الواقع لم تكن ولم تعد مقبولة، ونحن نصرّ على بناء مرجعية حقيقية توحّد
الشعب الفلسطيني، وتضم كل القوى في الداخل والخارج.



نحن ندرك تماماً أن الأمريكان
والإسرائيليين حريصون على طي صفحة منظمة التحرير، ليس لشطب كلمة التحرير التي لا
يرغبون بسماعها فحسب، وإنما لأنهم يريدون اختزال القضية الفلسطينية في الضفة
والقطاع، ليسهل حلها حلاً تصفوياً يلغي حق العودة ويتجاهل حقوق ستة ملايين فلسطيني
في الشتات. ولاشك أن قيام منظمة التحرير بدورها كمرجعية وطنية حقيقية تضم الجميع
يمثل أحد ضمانات الحفاظ على حق عودة اللاجئين والنازحين، وعلى دور الشتات
الفلسطيني في المشروع الوطني.



* هل تؤمنون بالشراكة مع الآخرين في ساحة العمل
السياسي ، أم تسعون إلى التفرد والهيمنة؟



- ما نرفضه من غيرنا لا يمكن أن
نقبله لأنفسنا. نحن نرفض التفرد والهيمنة والاحتكار، وشعبنا يرفض ذلك، ونحن
ملتزمون بالشراكة مع كل القوى والشخصيات الفلسطينية؛ وملتزمون بذلك، فنحن جميعاً
شركاء الوطن والقضية. ولا يعني فوز حماس أو غيرها في الانتخابات أن تستأثر
بالقرار؛ نحن ملتزمون بالشراكة وبالعمل الائتلافي مع الجميع، سواء قبل الانتخابات
أو بعدها، وقد عملنا على تحقيق ذلك في ساحة المقاومة والنضال، وفي مجال العمل
السياسي والنقابي، وفي تجربة الفصائل العشرة، وفي تجربة تحالف القوى الفلسطينية،
وفي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق مكة عام 2007، وفي الوصول إلى العديد من
التوافقات الفلسطينية، كاتفاق القاهرة 2005، ووثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني 2006،
وغيرها.



مهما كانت قوة أي طرف في الساحة
الفلسطينية، ومهما وصلت درجة نجاحه، أو نسبة فوزه في الانتخابات، فإنه لا يستطيع
الانفراد بالقرار الفلسطيني ولا يجوز له ذلك. لقد بادرنا منذ البداية بعد فوزنا في
الانتخابات بالعرض على الفصائل والشخصيات المستقلة أن تتشارك معنا في تشكيل حكومة
وحدة وطنية، وأبدينا مرونة كبيرة من أجل التوصل إلى ذلك؛ فنحن نؤمن بضرورة مشاركة
الجميع في مؤسسات القرار الفلسطيني. لكن معظم تلك الفصائل للأسف رفضت عرضنا
بالمشاركة، بسبب ظروف أو حسابات تخصّها، أو بفعل ضغوط مورست عليها، لأن بعض
الأطراف الإقليمية والدولية المعروفة قررت منذ اللحظة الأولى عزل حماس، وإفشال
تجربتها السياسية، ومنعها من المشاركة في النظام السياسي الفلسطيني من موقع متقدم،
إلا إذا غيرت جلدها، وتخلت عن المقاومة، وتراجعت عن الثوابت الوطنية.



حماس وتجربة
السلطة:



* ثمة من يرى أن (حماس) أخطأت أو
تعجّلت بالاقتراب من الحكم والسلطة، وأنها خسرت جزءا من رصيدها جراء ذلك، ووضعت
نفسها أمام تحديات ومعادلات صعبة؛ كيف تنظرون أنتم إلى هذا الأمر؟



- بالمنطق الطبيعي لمسيرة حركات
المقاومة والثورات، ينبغي أن لا يكون هناك خلط بين مرحلة المقاومة ومرحلة السلطة؛ لأن
السلطة والدولة مرحلة لاحقة للتحرير، لا متقدمة عليها. فالأصل أن تأتي خطوة السلطة
وبناء الدولة بعد أن تنجح المقاومة والثورة في تحرير الأرض وامتلاك السيادة عليها.



لكن حين تجد نفسك أمام حالة مفروضة
على الأرض، لم تكن أنت سببا فيها، وهي وجود سلطة في ظل احتلال قبل أن ينجز هدف
التحرير، فإن هذا الوضع يشكل تحدياً لكل قوى المقاومة، ويدعو للتساؤل حول كيفية
التعامل معه بمعطياته المعقدة والخطيرة. هذا هو التحدي الذي أجابت عليه حماس؛ هي
لم تجب على سؤال: هل نستمر كمقاومة أم نذهب وننشئ سلطة؟ لو كان هذا هو التحدي
المطروح أمامها لأجابت عليه بحسم ودون تردد: بل نكمل مشروع المقاومة وننجز التحرير
أولا، ثم بعد ذلك نقيم سلطة ودولة على الأرض التي حررناها وامتلكنا السيادة عليها.
لكن التحدي الذي طرح نفسه كأمر واقع، أنك أمام سلطة نشأت عن اتفاقية أوسلو قبل
إنجاز التحرير، وقبل إنهاء الاحتلال، بل جاءت هذه السلطة ثمرة لاتفاق أمني مع
العدو المحتل نفسه، وأصبحت هذه السلطة أمراً واقعاً، وتحولت عبر التزاماتها
الأمنية مع الاحتلال إلى عقبة حقيقية أمام مشروع المقاومة، فكان التحدي والسؤال
المطروح علينا، هل نشارك في هذه السلطة أم ننأى بأنفسنا عنها؟



هذا التوصيف مهم جدا حتى يعرف
الناس كيف تعاملنا مع المسألة. وكان قرارنا بعد طول مدارسة وتشاور في مؤسسات
الحركة الشورية والقيادية، وعلى نطاق واسع، وعلى مدى شهور عديدة، أننا سنشارك في
الانتخابات التشريعية بهدف إصلاح السلطة وتغيير دورها، وأننا سنتحمل نتائج هذه
المشاركة وتبعاتها. ونحن اليوم ما زلنا نعتقد بصحة قرارنا ذاك، وأن هذه التجربة
التي فرضتها معطيات الواقع كانت تجربة ضرورية، ولسنا نادمين عليها.



فلماذا اخترنا هذا الخيار والقرار،
وما هي خلفياته وضروراته ودواعيه؟



أولاً، رغم أن السلطة الفلسطينية
جاءت ثمرة اتفاق أوسلو الأمني الذي كان خلافياً عند الشعب الفلسطيني، وفُرض عليه
دون مشاورته، إلا أن السلطة فرضت نفسها عملياً على الأرض، وتحولت مع الأيام إلى
أمر واقع وثقيل، وباتت تتحكم في مفاصل الحياة اليومية للشعب الفلسطيني في الضفة
والقطاع، وتنوب عن الاحتلال في مهامه الأمنية في قمع المقاومة وملاحقة كوادرها،
وذلك بحكم التزاماتها الأمنية مع العدو، وبالتالي أصبحت تمثل خطراً حقيقياً
ومتعاظماً على مشروع المقاومة.



فهل الحكمة والمصلحة تكمن في تجاهل
هذه السلطة والواقع الذي فرضته، والنأي بنفسك عنها، وعندها ستظل عقبة في طريقك، وخنجراً
في ظهرك، وخطراً متزايداً على مشروع المقاومة؟ أم الحكمة والمصلحة والضرورة تقتضي
أن تشارك فيها بهدف العمل على إصلاحها وتغيير دورها والتأثير في مهامها
والتزاماتها، لتكون في صالح الشعب وليس في صالح الاحتلال، أو على الأقل الحدّ من
شرورها ومخاطرها على الواقع الفلسطيني السياسي والنضالي؟ وقد كان ذلك هو الخيار
الذي اتجهت إليه الحركة عبر قرارها بالمشاركة.



ثانياً؛ هل الحركة قادرة على تحقيق
تلك الأهداف من وراء المشاركة؟ هل بوسعها ذلك؟ أم أن الواقع أقوى منها وسيحتويها
في نهاية المطاف؟



وقد رأت قيادة الحركة أنها قادرة
على ذلك بإذن الله، وذلك بالنظر إلى جملة المتغيرات التي طرأت على واقع السلطة
خلال الانتفاضة الثانية وفي أعقابها، وعلى واقع المقاومة وتطور قواها في الداخل،
والتغير الذي طرأ على خريطة القوى السياسية في الساحة الفلسطينية، والوعي المتراكم
لدى شعبنا والذي أيقظه على حقيقة أوسلو المرّة وأوهامها التي تبخرت مع أول اختبار
حقيقي، وتزايد القناعة والحاجة بالتالي إلى تغيير هذا الواقع وإصلاحه.



ثالثاً؛ أما عن إشكالية الدخول في
سلطة نشأت عن اتفاق أوسلو، وهل المشاركة في هكذا سلطة يعني الاعتراف بأوسلو
والتزاماتها السياسية والأمنية؟



فقد رأينا في قيادة الحركة أن
اتفاقية أوسلو، وإن بقيت موجودة نظرياً؛ إلا أنها من الناحية العملية انتهت فعليا
على الأرض في ظل الانتفاضة الثانية والمواجهة المفتوحة مع المحتل الصهيوني؛ حيث أن
شارون بما فعله في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة بعد عملية السور الواقي عام
2002، قضى عملياً على أوسلو؛ ودمرها تحت جنازير دباباته وقصف طيرانه. وفي ظل هذه
التطورات لم تعد اتفاقية أوسلو هي الحاكمة للسلوك الفلسطيني كما كانت من قبل،
وأصبح التيار العام في الساحة الفلسطينية بمختلف القوى والجماهير تتحرك على أساس
مشروع المقاومة والمواجهة مع الاحتلال، وهو مناقض عملياً لمسار أوسلو وبرنامجه
السياسي.


رابعاً؛ هذه السلطة بفسادها
المتسارع والاستثنائي، أصبحت عبئا على الشعب الفلسطيني؛ فكان من الطبيعي والواجب
أن نبادر إلى محاربة هذا الفساد، والعمل على تعزيز عوامل الصمود الفلسطيني. ولذلك
رفعنا شعار التغيير والإصلاح؛ فالشعب الفلسطيني الذي خاض انتفاضتين عظيمتين، وما
زال صامداً يواجه المحتل كل يوم، من حقه على قيادته أن تخفف عن كاهله أعباء هذا
الفساد، وأن توفّر له حياة كريمة تعينه على الصمود ولا تثقله بالفساد المالي
والإداري والأخلاقي. من هنا، وبالإضافة إلى مسؤوليتنا كحركة مقاومة، كنا نشعر
بضرورة العمل من أجل إصلاح السلطة ومحاربة فسادها، حتى نخفف من أعباء الناس، ونزيد
من قدرة الشعب على الصمود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:44


والمقاومة، فكان ذلك أحد الدواعي
الأساسية لمشاركتنا في السلطة، فشعبنا كان يلح علينا في تلك الفترة بضرورة تحمل
المسؤولية تجاه إصلاح السلطة، وعدم الاكتفاء بممارسة المقاومة فقط.



خامساً؛ يضاف إلى ما سبق، أنه حصل
تغير مهم في الساحة الفلسطينية لا نستطيع إغفاله وتجاهله؛ فأيام الرئيس الراحل
ياسر عرفات رحمه الله، ورغم أننا اختلفنا معه كثيرا، غير أنه في سنواته الأخيرة،
حين أدرك انسداد الأفق أمام اتفاقية أوسلو وتراجع إسرائيل عملياً عنها؛ عمل على
استعادة الخيار العسكري، وحاول أن يزاوج بين البندقية والمفاوضات. هذه الحالة كانت
تسمح بتوفير قدر معقول من الغطاء للمقاومة، وحرية عملها.



لكن بعد رحيل عرفات، جاءت قيادة فلسطينية ترفض
الانتفاضة والمقاومة من حيث المبدأ، وتلغي الخيار العسكري، فهي لا تؤمن إلا بخيار
المفاوضات، وتبادر في ذات الوقت إلى التنسيق الأمني وعلى نطاق واسع مع الأمن
الصهيوني، بل ومجاناً!!



برنامج القيادة الجديدة كان يبعث
على القلق الشديد إزاء مستقبل المقاومة، فأنت إن أسلمت لها مقاليد السلطة والقرار
السياسي، فإنك تساعدها في السيطرة على كل مفاصل الحياة اليومية للشعب والتحكم في
خياراته ومساراته النضالية، وتمكّنها من الهيمنة على القرار الفلسطيني، وتصبح أنت
محاصرا ومحشوراً في الزاوية. هذا المتغير كان بالغ الخطورة، وفرض على المقاومة أن
تعيد النظر في تعاملها مع السلطة وموضوع المشاركة فيها.



كل تلك الدواعي والضرورات دفعتنا
للمشاركة؛ والسؤال اليوم: هل حصيلة تجربتا في السلطة وتداعياتها اللاحقة تدعو
للحكم بالخطأ على هذه التجربة أو الندم عليها؟ أقول: لا، وأسوق ما يعزز ذلك.



فمن قال إننا لو لم نشارك في
السلطة فإن الأمور ستكون أفضل، نقول له، نحن رأينا الآن مشهد المشاركة بإيجابياته
وسلبياته، لكننا لم نر المشهد في حال أن حماس لم تشارك في السلطة. تقديرنا أن ذلك
المشهد سيكون أسوأ وأقسى بحق مشروع المقاومة وقوى المقاومة والمسار السياسي
الفلسطيني، بل سيسهّل عملية ذبحنا بذريعة الخروج على الشرعية الفلسطينية والقرار
الوطني. اليوم نحن وقوى المقاومة نُحاصَر ونُذبَح وتُشَن علينا الحروب والملاحقات
الأمنية رغم أننا نملك الشرعية السياسية المستندة إلى صناديق الاقتراع، فكيف الحال
لو كنا بلا شرعية انتخابية وخارج سلطة القرار؟! كان ذبحنا عندئذ سيكون أسهل، وربما
«حلالا» في عُرف السلطة والمعايير الأمريكية الإسرائيلية التي تضع ذلك في خانة
الحرب على الإرهاب!!



والعجيب اليوم أن يـُلام من انتخبه
الشعب ديمقراطياً على تمسكه بخيار شعبه، بينما لا يوجّه اللوم للذي رفض خيار الشعب
وانقلب عليه واستقوى بالأمريكان والإسرائيليين ضده؛ هذا منطق ظالم ومقلوب!!



أمر آخر؛ فبقدر ما عانينا نحن من
تبعات وتداعيات هذا الخيار على الأرض، بقدر ما عانى الآخر من ذلك وأكثر. يكفي هذه
التجربة أنها فرملت وأعاقت المشروع الآخر القائم على التفريط والتسوية المجحفة،
وعلى إقصاء المقاومة من مسرح الصراع، ومن مشهد القضية الفلسطينية. صحيح أننا دفعنا
ثمنا كبيرا، حيث حوصر شعبنا، وتعرضنا لحرب شرسة واعتداءات وجرائم فظيعة؛ لكن هذا
شيء طبيعي رغم شدة آلامه، وقد حصل مع كل الشعوب التي قاومت وضحّت ونالت حريتها؛
وهل تحرر شعب واندحر احتلال، دون تضحيات ودماء وأشلاء وعذابات؟! وهل كانت معاناة
شعبنا ستكون أقل لو انفرد أصحاب المشروع الآخر بالقرار والسلطة؟!



حماس اقتحمت الميدان السياسي،
واستعانت بشعبها الذي منحها الشرعية وأوصلها إلى موقع القرار، لتسخّر كل ذلك في
خدمة الشعب والقضية، وفي مواجهة الاحتلال، وهو ما فرض تحديات كبيرة على «إسرائيل»
وعلى أصحاب مشاريع التفريط والتنازل. ويكفيني أننا مارسنا ذلك من موقع الشرعية،
وغيرنا شاغب وتمرد من موقع الخروج على الشرعية والانقلاب عليها، والاستقواء علينا
بالأمريكان والصهاينة.



قد يكون هناك أخطاء في التجربة،
وبالتأكيد فإن أي تجربة فيها أخطاء؛ وهذا لا ننكره؛ لكن في المحصلة نعتقد أن ما
ترتب على هذه المشاركة من إيجابيات أكبر بكثير مما ترتب عليها من سلبيات. وأقول
بصراحة، لو لم تشارك حماس في السلطة وفي تحمّل المسؤولية، لكانت المقاومة في كل مناطق
السلطة هي الضحية، وما يحدث في الضفة الغربية اليوم من عمل دؤوب لاجتثاث المقاومة،
ومن تنسيق وتحالف أمني بالغ الوقاحة وغير مسبوق مع الاحتلال، نموذج واضح لما كان
سيحصل في بقية المناطق لو نأت حماس بنفسها عن السلطة، وأخلت الساحة لأصحاب
التوجهات الخاطئة والخيارات السقيمة والمهزومة.



ولمن يظن أن مشاركة حماس في السلطة
وفي تحمّل أعباء الشعب قد أشغلتها عن المقاومة، نقول له، إن مشاركة حماس في السلطة
لم تؤثر على تطوّر برنامجها العسكري؛ فقيادة الحركة وهي في قمة انشغالها بالشأن
السياسي، كانت تجعل الأولوية لخيار المقاومة؛ حماس وهي في السلطة طوّرت المقاومة
وأدواتها، وأسرت الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط ، بل وصمدت في مواجهة أكبر حرب
يشنها العدو على الأرض الفلسطينية؛ فالمشاركة في السلطة لم تكن على حساب المقاومة،
بل كان أهم دوافعنا للمشاركة في السلطة أن نحافظ على المقاومة، وأن نحمي برنامجها.



ونود التأكيد هنا، أننا لا نعتبر
حالة الانقسام القائمة حاليا بين الضفة الغربية وقطاع غزة حالة طبيعية، بل حالة
استثنائية فرضت علينا دون إرادة منّا ومن شعبنا، وجاءت نتيجة الانقلاب على نتائج
الانتخابات. نحن لا نتطلع إلى سلطة في غزة، بل نتطلع مع قوى شعبنا إلى إقامة دولة
فلسطينية حقيقية كاملة السيادة بعد إنجاز مشروع التحرير بإذن الله. وغزة جزء من
الوطن الفلسطيني، وجزء من الدولة الفلسطينية، كما هي الضفة، ولا نقبل فصل إحداهما
عن الأخرى.



* وهل أسهمت المشاركة في السلطة
بإنضاج تجربة حماس السياسية، خصوصا وأنها أقحمتها في المعترك السياسي، ووضعتها في
مواجهة تحديات من نوع آخر؟



- بلا شك، استفدنا كثيرا من تجربة
السنوات الأربع الماضية، سواء في التشريعي أو في السلطة، على الرغم من أن هذه
التجربة جوبهت منذ اليوم الأول بالرفض والحصار، حيث لم يسمح للمجلس التشريعي
بالعمل وتقديم تجربة برلمانية ناضجة، كما لم يسمح للسلطة بأن تتصرف كسلطة وحكومة،
حيث حوربت من داخلها ومن خارجها، وكان هناك إصرار واضح على عدم منحها الفرصة لتقدم
تجربتها.



رغم ذلك كله نقول: لقد أتاحت تجربة
حماس المحدودة في السلطة الفرصة لأن تدرك حاجات الناس خاصة في ظل الاحتلال، الذي
عمل طوال السنوات والعقود الماضية على ربط الواقع المعيشي والاقتصادي لشعبنا
بالعجلة الإسرائيلية. هذا كان تحديا ضخما، لكننا نجحنا إلى حد معقول بتوفير حاجات
الناس حتى في ظل الحصار الظالم وعملية الخنق المبرمجة، والتي يدرك الجميع أن هدفها
الرئيس كان إفشال تجربة حماس ودفع الناس للانفضاض عنها.



كما أن المحافظة على مشروع
المقاومة، وفي ذات الوقت مراعاة حاجات الناس وظروفهم المعيشية، لم يكن أمراً
هيناً. والقدرة على المزاوجة بين السلطة والمقاومة لم تكن بالأمر اليسير في ظل
المعركة المفتوحة مع المحتل الصهيوني. وهذه لاشك تجربة جديدة وإضافية في مسيرة
الحركة.



كما أن التعاطي مع الوضع العربي
والإقليمي والدولي؛ والاحتكاك بالأطراف الدولية من موقع السلطة، كان هو الآخر
تجربة جديدة لحماس، جعل الحركة تنفتح على عوالم جديدة، وجعلها أكثر التصاقا
بالواقع في إطاره الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي، وهذا بلا شك إضافة مهمة.



لكن التحدي الأساس كان: كيف تشتق
معادلة العمل السياسي مع كل هذه الأطراف دون أن تخسر نفسك، ودون أن تتخلى عن
ثوابتك الوطنية، ودون أن تتخلى عن مشروع المقاومة؟ خاصة أن غيرنا سار بمنهج آخر،
وعوَّدَ العالم على التنازل والتفريط بالحقوق، حتى تكرّس لدى تلك الأطراف معادلة
مفادها: وجودك في السلطة يعني أن تدفع ثمناً سياسياً باهظاً، وألا تكون لك علاقة
بالمقاومة، بل ينبغي أن يكون لك دور في محاربتها.



اليوم حماس تشتق معادلة أخرى
جديدة، وتفرضها واقعاً عملياً رغم كل الضغوط والتحديات: أنا في السلطة، نعم
وبطريقة ديمقراطية، ومع ذلك لا أخضع لشروط الآخر، وأستمر في المقاومة، وأتعامل
سياسيا مع المحيط الإقليمي والدولي مع الحفاظ على ثوابت الشعب الفلسطيني. أعتقد أن
هذه التجربة ثريّة رغم كل العقبات التي وضعت في طريقنا لإفشالنا، ولمنعنا من تقديم
تجربة جادة في إصلاح السلطة وتغييرها لصالح شعبنا، وجعلها في مواجهة الاحتلال لا
العكس.



حماس
والمرونة والواقعية:



* أين موقع المرونة لدى حماس، ما
حدودها وهوامشها، وأين تبدأ وأين تنتهي؛ وهل تأتي مرونة حماس السياسية بفعل ضغوط
الأمر الواقع، أم بفعل قراءة ذاتية مسبقة؟



- الخلل في هذا الموضوع الدقيق
والحساس يحصل عندما تطغى دائرة على دائرة أخرى، فالأصل أن تـُعطي كل دائرة حقها.
فأنت إذا وسّعت دائرة الثوابت لتشمل غيرها مما هو ليس بثوابت؛ تكون قد ضيقت واسعا.
نعم، قد يكون دافعك التحوّط والاحتراز والخوف من الوقوع في الخطأ، وقد يكون الدافع
محاولة إظهار التشدد لتحافظ على رمزيتك وصورتك كصاحب موقف قوي؛ وهذا بتقديري خطأ
ينبغي الحذر منه، فالثوابت ينبغي أن لا تتحول إلى حالة من الجمود، ولا إلى صورة من
التباهي والاستعراض والمزايدة.



كذلك، فإن توسيع دائرة المرونة
لتتعدى على دائرة الثوابت والمبادئ، بحجة أن هذه ضرورات الواقع، فذلك فهم خاطئ
مرفوض كذلك؛ لأن هذا يقودك إلى الميوعة والتفريط وتضييع المصالح والحقوق.



نحن مع حالة التوازن؛ ومن الناحية
الفقهية ومنهج الفكر الإسلامي فنحن مع مدرسة الوسطية والاعتدال، ونحن مع وضع الأمور
في نصابها؛ دون إفراط أو تفريط، فهذا هو المنهج الصحيح الذي نتبناه. ونستشهد هنا
بما قاله عليه الصلاة والسلام (إن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى). ويعجبني
في هذا السياق قول المتنبي:



ووضع الندى في موضع السيف بالعلا


مضرّ كوضع السيف في موضع الندى


حماس وانطلاقا من هذا الفهم، لديها
ثقة عالية بنفسها، وتملك الشجاعة والجرأة لأن تقول الحقيقة لجمهورها وللجميع، ولأن
تتعامل مع كل دائرة بحجمها الحقيقي، دون تجاوز، وبعيدا عن الإفراط والتفريط؛
فالثوابت هي الثوابت، والمرونة هي المرونة، ولا نخلط بينهما نتيجة إكراه أو ضغوط
أو إغراء، ولا نسمح بطغيان أحدهما على مساحة الآخر.



نحن ننطلق من ثقافتنا الشرعية، ومن
فكرنا الحر، ووعينا السياسي، واستيعابنا للواقع ومقتضياته، ومن تمسكنا بجوهر
القضية الفلسطينية وبحقوق شعبنا، ومن قدرتنا على التعامل مع الصراع العربي
الصهيوني من موقع الثقة بالنفس، وليس من موقع العجز والخوف؛ ولا من موقع المبالغة
في الشعور بالقوة أو الاستهانة بالعدو. فالعجز غالباً ما يدفع إلى المرونة في غير
موضعها، مع الادعاء أن ذلك حكمة، وفي حقيقته عجز أو خوف. يقول المتنبي:



يرى الجبناء
أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع
اللئيم



وكل شجاعة
في المرء تغني ولا مثل الشجاعة في
الحكيم



كما أن المبالغة في الشعور بالقوة
غالباً ما تدفع إلى التشدد في غير موضعه. فكيف تكون قوياً قوةً لا تطغيك ولا تدفعك
إلى الغرور الذي يحرمك من هوامش المرونة، ويوقعك في الأزمات الخانقة؟ وكيف تنأى
بنفسك عن العجز الذي يُلجئك إلى الميوعة والتنازل تحت وقع الضغوط؟ هذا يحتاج إلى
توازن وحكمة وحسن اجتهاده، وقبل ذلك وبعده إلى توفيق من الله تعالى.



في السياسة، امتلاك القوة هو الذي
يعطيك التوازن المطلوب في إدارة القرار السياسي. ومن يعمل بالسياسة بعيدا عن القوة
والمقاومة، سيجد نفسه يعيش على هوامش الاجتهادات السياسية الضعيفة، التي تكون في
غالب الأحيان محصورة في حالات الضرورة والاضطرار والرّخـَص.



ومن هنا، فإن أحد أهم العوامل التي
تجعل حركة حماس تتقن المزاوجة بين الثوابت والمرونة بمساحات متجاورة، لا متداخلة
ولا متعارضة، هو امتلاكها لعوامل القوة التي تجعلها في وضع أكثر توازنا.



عامل ثان مهم؛ هو فهمنا الشرعي
الدقيق، لأن هذا الفهم يساعدنا على ضبط هذه المسائل والتعامل معها بصورة صحيحة ضمن
موازنات ومقاربات حكيمة.



العامل الثالث؛ أن «حماس» لديها مؤسسية راسخة في
إدارة القرار القيادي تمكّنها من ضبط هذه المواقف والسياسات. فالفردية تجعل صاحبها
يذهب إلى الإفراط والتشدد في غير موضعه، أو إلى التفريط والميوعة في غير موضعها؛
وإلى الخطأ في التقدير والحسابات عموماً، بينما المؤسسية هي عاصم من ذلك بإذن
الله، لأنها أبعد عن الهوى والحسابات الشخصية، وأدعى لصوابية القرار وتقدير
الموقف.



العامل الرابع؛ أن «حماس» لا تتعجل
الأمور؛ الاستعجال قاتل، ومن يتعجل يدفع أثماناً باهظة؛ وقد لا يظفر بما أراد؛ ومن
استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. الذين تعجّلوا ووضعوا العربة أمام الحصان،
وطلبوا السلطة قبل التحرير، دفعوا أثمانا باهظة، واختلّ لديهم ميزان الثوابت
والمرونة، وخسروا كل شيء، فلا هم كسبوا سلطة حقيقية، ولا هم حافظوا على مشروع
التحرير.



نحن لسنا متعجلين ولا متسرّعين؛
لأن هدفنا ليس الوصول إلى السلطة. هدفنا تحرير الأرض، واستعادة القدس وبقية الحقوق
الفلسطينية، وإنجاز المشروع الوطني، والوصول إلى الاستقلال وحق تقرير المصير،
والدولة والسلطة تأتي بعد ذلك وثمرة له.



العامل الخامس؛ مع كوننا بشراً
يصيبنا ما يصيب كل البشر من الأعراض ونقاط الضعف، لكن لدينا بحمد الله وفضله حصانة
ومناعة قوية ضد التخويف وضد الإغراء، وهي مَقاتِل تصيب القيادات وتجعلها تقع في
خانة التفريط والتسليم بالأمر الواقع، والخضوع للضغوط الخارجية. التهديد لا
يخيفنا، كذلك الإغراء لا يغوينا.



وهذه العوامل بمجموعها تـُمكـّننا
بفضل الله من إدارة القرار السياسي بمزيج من المحافظة على الثوابت وعلى المرونة
والواقعية في ذات الوقت، دون أن تطغى دائرة على دائرة.



ولا شك أن للواقع ضغوطه وضروراته،
ولا أحد يستطيع أن يتجاهل ذلك أو ينكره، والشريعة الإسلامية كما أن فيها نصوصاً
وقواعد تؤصل للعزيمة والصبر والثبات، ففيها نصوص وقواعد تؤصل للرخصة والمرونة
وحدود الاستطاعة. وفي الحديث الصحيح «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن
تؤتى عزائمه». والرخصة ليست شيئاً منفلتا،ً بل لها أحكامها وضوابطها، كما أنها لا
تعني الوقوع في المعصية بمدلولها الشرعي، ولا الوقوع في التنازل والتفريط بمدلولها
السياسي، وفي الحديث الصحيح الآخر «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن
تؤتى معصيته».



لذلك فإن من المهم والضروري دائماً
الحرص على الفهم العميق، والتطبيق الدقيق، والتوقيت الصحيح، وأن يكون الدافع هي
المصلحة العامة وليست المصلحة الشخصية أو الحزبية.



رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام
عندما عرض على الصحابة إبّان غزوة الأحزاب مصالحة قبيلة غطفان مقابل ثلث ثمار
المدينة، علّـّل ذلك بأنه أمر صنعته لكم لمّا رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة؛
فهذا مثال نبوي واضح على المرونة والاجتهاد الواقعي بما يناسب مقتضى الحال،
ومراعاة القائد الحكيم والشجاع لأحوال أصحابه وأهله وظروفهم.



من أهم مسؤوليات القيادة، أن تراعي
أوضاع شعبها ومصالحه، وهذا يحسب للقيادة لا عليها، هو ليس عارا ولا خطأ، بل هو
واجبها. فمسؤولية القيادة أن تستوعب المبادئ والقواعد والمعايير التي تسمح لها بأن
تتصرف وتوازن بين العزيمة والرخصة، وبين أن تمارس المرونة أو لا تمارسها، وواجبها
في ذات الوقت أن تقرأ الواقع بدقة، وتـُسقط عليه النص والقواعد والمعايير، ثم
تمارس الاجتهاد وتأخذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة وفق متطلبات الميدان.



ونحسب أن حركة حماس باتت بحكم
التجربة والتحديات التي واجهتها، تملك خبرة جيدة في التعامل مع هذه التوازنات
والمسائل الدقيقة، فنحن ولله الحمد نستند في كل ذلك إلى تراثنا الشرعي الأصيل،
وإرثنا الوطني، وتاريخ أمتنا ورصيدها الحضاري، وتجارب الشعوب والأمم وخبراتها
المتراكمة.



في حواراتنا وتثقيفنا الداخلي في الحركة، تعودت
القول أمام إخواني: ليست المهارة في أن تمارس الثوابت وأنت ساكن، إنما المهارة أن
تمارس الثوابت وتحافظ عليها وأنت تتحرك وتتقدم إلى الأمام. قد تخطئ في الطريق،
وهذا شيء طبيعي، المهم أن تصوب الأخطاء وتتعلم منها، وتبقى تواصل المسيرة.



* قبل أعوام، سمعت منك شخصيا ما
مفاده أن «حماس» كالكائن الحي ينمو ويتطور، ولا يملك وهو في سن العاشرة أن يتعامل
تعامل من هو في سن الخامسة؛ هل ما زلت تتبنى هذه القناعة، وما إسقاطاتها على تجربة
حماس؟



- هذه مقولة أؤمن بها، وقلتها عن
قناعة، ولا زلت أتمسك بها؛ لأنها مسألة إنسانية فطرية، هي سنّة من سنن الله سبحانه
وتعالى في الحياة، ومن يصادم السنن يقهر ويسحق. نعم، الحركات كالكائن الحي تنمو
وتتطور، ولكل مرحلة استجاباتها، ولكل مرحلة مسؤولياتها.



فمثلاً، في البدايات تكون مسؤولية
الحركة ممارسة المقاومة بالحد الممكن والمستطاع، ولكن في مرحلة لاحقة توجب عليك
المسؤولية أن تطوّر هذه المقاومة، وتتعاون مع الآخرين في ميدانها، وتعمل على وضعها
في إطار مشروع وطني مقاوم قادر على الصمود والتقدّم والإنجاز؛ وفي مرحلة أخرى تجد
نفسك في مواجهة حرب واسعة تشنّ عليك، وأنت مطالب بمواجهتها بعزيمة وإرادة وتصميم،
وتوفير أدوات الصمود في مواجهتها. وهكذا تتطور المقاومة مع مرور الزمن وتطور
المراحل لتصل إلى مرحلة الانتصار والتحرير بإذن الله، في ظل احتضان الشعب ومشاركة
الأمة.



كذلك في الموضوع السياسي، في مرحلة
ما تكون مسؤوليتك تقديم الخدمة الاجتماعية للناس، والمشاركة على مستوى الاتحادات
الطلابية والنقابية، وربما البلديات، ويكون هذا مقبولا منك وكافياً. ولكن في مرحلة
لاحقة لا يغدو ذلك كافياً، فالحركة عندما تصبح شريكة في القرار السياسي الوطني،
فإن مسؤولياتها تتضاعف، وهكذا، كلما تطور موقعك في ساحة النضال والقرار استجلب ذلك
مزيدا من المسؤوليات والإمكانات، وأنواعاً جديدة من المواقف والاجتهادات.



نحن في حماس نتصرف وندير قرارنا
وفق هذه الرؤية والقناعة. ومن هنا مثلاً أخذنا قراراً بالمشاركة في الانتخابات
التشريعية عام 2006، رغم أننا قاطعناها عام 1996. وينطبق ذلك على تطور المواقف في
مختلف ميادين العمل العسكري والسياسي والجماهيري والاقتصادي،... الخ.



* لكن مرونتكم لم تقابل حتى الآن
بتفهّم دولي، حيث لم تغيّر الأطراف الدولية موقفها منكم. ما سبب ذلك برأيكم، وهل
يدفعكم ذلك لإعادة النظر في مواصلة المرونة؟



- المرونة التي أبدتها حماس مرونة
اقتضاها الواقع والمعطيات، اقتضتها الحاجة الفلسطينية، وأحيانا حاجات الحركة، ولم
تكن هدايا نقدمها للآخرين؛ لم يكن الدافع لهذه المرونة أن نرضي الآخر أو نغريه،
وإنما أن نستجيب لضروراتنا الوطنية، وحاجات شعبنا وظروفه ومصالحه، ومتطلبات تعزيز
جبهته الداخلية والالتقاء مع قواه الوطنية والإسلامية على قواسم سياسية ونضالية
مشتركة.



نحن كحركة حيّة، ما دمنا نتطور مع
تطور مسيرة القضية والصراع، وننمو مع انتقالها إلى مراحل متقدمة، فمن الطبيعي أن
تكون هناك ضرورات ومتطلبات تستوجب اجتهادات في مجال المرونة والواقعية السياسية لا
بد من القيام بها في كل مرحلة من مراحل عمر القضية؛ من أجل قضيتنا أساساً، وحسن
إدارة الصراع بما يمكننا بإذن الله من حسمه في نهاية المطاف لصالح شعبنا وأمتنا في
مواجهة المشروع الصهيوني. وإذا كان المجتمع الدولي أو الأطراف المؤثرة في الصراع
يستجيبون أو لا يستجيبون لهذه المرونة فهذا شأنهم، فمرونتنا أصلاً هي من أجل شعبنا
وقضيتنا. ولكن، ومع أنهم كعادتهم يطالبون دائماً بالمزيد، ويتظاهرون بتجاهل
مواقفنا، إلا أنهم في حقيقة الأمر لديهم جدل داخلي كبير حول ذلك، ومع الزمن لن
يجدوا بداً من التعامل معنا واحترام مواقفنا ومصالحنا ورؤيتنا لهذا الصراع.



نحن علينا أن نقدّم الموقف اللازم
والصحيح، بصرف النظر عن استجابة الآخر، فنحن المستفيدون من ذلك. وفي تقديرنا أن
هناك عوامل وعوائق تمنع أطرافا إقليمية ودولية من التعامل معنا بصورة صحيحة، وتحول
دون أن تقابل المرونة من طرفنا بتغيير من طرفهم لصالح قضيتنا، لكن هذه العوامل والعوائق
ستتراجع وتضعف مع الزمن. القيادة العاقلة والشجاعة لا يدفعها تجاهل الآخرين
لمرونتها لأن تتراجع عنها، لا، فالمرونة في موضعها ضرورة، والصلابة في موضعها
ضرورة، كل مناسب وضروري في موقعه وتوقيته، وعند حاجته، وهو ضروري لنا ومن أجلنا،
وليس من أجل غيرنا.



قد تراهن القوى الغربية على أننا
سنخضع في نهاية المطاف، وسنقبل غداً بما نرفضه اليوم، لكن هذه القوى بدأت تدرك
شيئاً فشيئاً في ظل صمودنا وإصرارنا، أن حركة حماس شيء مختلف، ونحن نقول لهم
دائماً: لا تقيسونا على الآخرين، لن نخضع للتكتيكات والأساليب والشروط التي أخضعتم
غيرنا لها. رؤيتنا واضحة، وما نرفضه اليوم سنرفضه غدا؛ قلنا لهم: شروط الرباعية
مرفوضة اليوم، ومرفوضة غدا؛ أريحوا أنفسكم!! وتعاملوا معنا ومع قضيتنا باحترام،
ومن غير مدخل الشروط والإملاءات.



* حماس
ونموذج المقاومة:



* ما الإضافة التي قدمتها حماس في
الجانب الجهادي والنضالي؟ وبماذا تميّز أنموذجها المقاوم؟



لابد من التأكيد في البداية أن
حماس كحركة مقاومة ضد المحتل الصهيوني، هي جزء طبيعي وأصيل من تجربة النضال
الفلسطيني، وامتداد لها، وحلقة من حلقاتها المباركة الممتدة والمتواصلة منذ مائة
عام، بدءاً بأول ثورة وأول شهيد، ومروراً بكل ثوراتها ورموزها وقياداتها،
ونضالاتهم الرائعة رغم الظروف المعاكسة الهائلة في عهودهم، من أمثال عز الدين
القسام، والحاج أمين الحسيني، وفرحان السعدي، وعبد القادر الحسيني، وغيرهم، وصولاً
إلى الثورة الفلسطينية المعاصرة بمختلف فصائلها وقواها وقياداتها ورموزها
النضالية. وما زالت مسيرة النضال الفلسطيني مستمرة بفضل الله حتى اليوم، وستظل
قائمة ومتواصلة حتى تنجز هدف التحرير والعودة والخلاص من الاحتلال الصهيوني بإذن
الله.



وهذا يعني أن حماس كحركة مقاومة ليست شيئاً
منفصلاً، أو حلقة معزولة في صحراء تعمل وحدها دون جذور أو امتداد، بل هي جزء من
كل، جزء من تاريخ شعبنا النضالي ومسيرته الجهادية الحافلة بالعطاء والتضحيات،
وبالتحدي والإبداع، وبالصبر وطول النفس، وبالإصرار على مواصلة المسيرة وقهر كل
العوائق والتحديات والظروف المعاكسة وغير المواتية حتى بلوغ الهدف النهائي بإذن
الله.



وهذا الانتماء والامتداد أكسب حماس
– كما أكسب غيرها من قوى المقاومة الفلسطينية – إرث ذلك التاريخ وأصالته وروحه
وهويته المميزة. و جعلنا نطل على تلك التجربة الطويلة والثرية ونستفيد من مختلف
محطاتها، بما احتوته من خبرات وإبداعات، ومن نجاحات وإنجازات، ومن بعض تجارب الفشل
والإخفاق كذلك، فكلها بالنسبة لنا ولشعبنا رصيد ثري ونفيس. وما اختيارنا لاسم
الشهيد عز الدين القسام عنواناً لجناحنا العسكري وكتائبه المجاهدة، إلا تعبيراً عن
هذا الانتماء والامتداد، وواحداً من مظاهره وتجلياته.



وتأكيدنا هنا على هذه الحقيقة أمر
ضروري ومهم جداً، حتى يعرف كل منا جذوره ورصيده وعوامل قوته الحقيقية من ناحية،
ويعرف كذلك حجمه الحقيقي ومكانه المحدد في هذه المسيرة الطويلة. فكما أن الانتماء
إلى هكذا تاريخ ومسيرة يعطي الناس أو الحركات قوة وثقة بالنفس من الضروري
استحضارها خاصة في اللحظات الصعبة، فإنه يعطيهم كذلك تواضعاً واحتراماً لأدوار
الآخرين لابد أن يحسوا به ويكتسبوه. فنحن وغيرنا جزء من هذه المسيرة المباركة، لم
نكن أول حلقة فيها ولسنا بالضرورة آخر حلقاتها.



نحن وغيرنا نبني على مَـنْ سبق
ونستفيد منه، ثم نبني تجربتنا الخاصة بما لها وما عليها، ونتفاعل أخذاً وعطاءً مع
مَنْ يزاملنا في المسيرة، ليكون كل ذلك إرثاً للأجيال القادمة التي تحمل الراية
وتواصل مسيرة النضال، حتى يتحقق النصر والتحرير بإذن الله، وهو الهدف الذي سيكون
الجميع، السابق واللاحق، شريكاً في صنعه حتى وإن لم يشهد قطف ثمرته النهائية.



أما أنموذجنا المقاوم، الذي
أنشأناه أداءً للواجب وإسهاماً منّا في هذا الصراع الكبير، وحَـرَصنا على أن نقدم
من خلاله إضافة مميزة لمسيرة النضال الفلسطيني، فقد اجتهدنا أن نصوغه وفق رؤية
واضحة، ونرسخ فيه جملة من المفاهيم والسياسات والضوابط المهمة والضرورية، وأن
نعطيه الكثير من الروح والإبداع والمثابرة والإصرار.



ومن أبرز هذه الرؤى والمفاهيم
والسياسات التي يمكن الإشارة إليها:



أولاً، المقاومة هي وسيلتنا
الاستراتيجية لتحقيق الهدف الاستراتيجي، وهو التحرير والعودة واستعادة الحقوق
وإنهاء الاحتلال الصهيوني لأرضنا ومقدساتنا.



أي أن المقاومة هي استراتيجية
التحرير، وهي المحور الرئيس في عملنا كحركة مقاومة، وليست مجرد عمل من أعمالنا أو
خياراً من خياراتنا، بل هي العمود الفقري لمشروعنا. ومع أهمية البرامج والأعمال
الأخرى في مسيرة الحركة، كالسياسي والدبلوماسي والجماهيري والإعلامي والاجتماعي
والخيري والاقتصادي، ... الخ، إلا أن قيمتها وتأثيرها الحقيقي في المشروع وفي خدمة
الهدف المنشود، يعتمد على كونها تتحرك في ظل المقاومة كبرنامج رئيس، وضمن منظومة
عمل تمثل المقاومة عمودها الفقري، وذلك لأننا حركة مقاومة في مواجهة احتلال عسكري استيطاني
إحلالي نقيض لوجودنا، ومن الطبيعي أن تكون المقاومة المسلحة والشاملة هي الأساس
وهي العامل المؤثر والحاسم في هذه المواجهة.



ثانياً، المقاومة عندنا وسيلة لا
غاية، وهي في خدمة الهدف والغاية، وليست مقاومة من أجل المقاومة. وتضخيم مفهوم
المقاومة بحيث تصبح غاية بحد ذاتها يترتب عليه أخطاء كثيرة في الفهم والرؤية، وفي
الموقف والسلوك العملي، وخلل في إدارة القرار وتقدير المصلحة.



نعم، المقاومة مهمة جداً وهي
المحور الرئيس لمشروعنا، لكنها ليست هي الهدف، وإنما هي السبيل والطريق لتحقيق
الهدف، والوسيلة الاستراتيجية للتحرير.



ثالثاً، حماس ليست مجموعة عسكرية،
بل هي حركة تحرر وطني شاملة، المقاومة محور عملها الرئيس، ووسيلتها الاستراتيجية
للتحرير وتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، وتعمل في ذات الوقت في مختلف المجالات
والميادين، ولها أهدافها ورؤيتها السياسية. وهي حركة شعبية تعيش هموم شعبها، في
الداخل والخارج، وتدافع عن مصالحه، وتعنى بخدمته – قدر استطاعتها - في مختلف جوانب
الحياة اليومية.



رابعاً، لقد حصرنا المقاومة لتكون
ضد المحتل الإسرائيلي فقط، فمقاومتنا هي ضد العدو الذي يحتل أرضنا ويعتدي على
شعبنا ومقدساتنا، وليس ضد أحد آخر. بل نحن لم نستخدم المقاومة حتى ضد من أيّد
عدونا ودعمه وأمده بكل أسباب القوة والسلاح الفتاك الذي يقتل به شعبنا.



كما اعتمدنا سياسة حصر المقاومة داخل فلسطين
وتجنب ممارستها في الخارج، ليس عجزاً، ولكن نصدر في ذلك عن تقدير دقيق للمصلحة،
وموازنة بين مختلف الاعتبارات.



خامساً، نحن نتبنى بوضوح سياسة عدم
استعمال السلاح والقوة إلا في مواجهة المحتل والعدو الخارجي الذي يعتدي علينا، وهي
المقاومة المشروعة. و هذا يعني عدم استعمال السلاح والقوة في الشأن الداخلي ولا في
معالجة الخلافات السياسية والفكرية، فعلاج الخلافات داخل الصف الوطني يتم عن طريق
الحوار والتوافق والاحتكام إلى الشعب عبر الديمقراطية وصناديق الاقتراع.



وما حصل في قطاع غزة من أحداث
مؤسفة قبل سنوات ليس خروجاً عن هذه السياسة، لأن الحالة مختلفة تماماً، بل معاكسة،
فهناك فريق فلسطيني رفض نتائج الانتخابات، وسعى للانقلاب عليها، أي على الشرعية
الفلسطينية، واستقوى علينا – للأسف - بالعدو الصهيوني وبالأمريكان، واستعمل السلاح
ضدنا، فمن حقنا الطبيعي أن ندافع عن أنفسنا اضطراراً، خاصة أننا نفعل ذلك من موقع
رئاسة الحكومة الشرعية التي تشكلت في أعقاب انتخابات ديمقراطية نزيهة، واعتمدها المجلس
التشريعي المنتخب.



بينما عندما كنا خارج السلطة، منذ
1994 وحتى 2006، ورغم أن تلك السلطة اعتقلت الآلاف منا، وعذبتهم تعذيباً شديداً،
وقتلت عدداً منهم في سجونها، ولاحقت المقاومة وسلاحها ورجالها، ونسقت وما تزال
تنسق أمنياً مع العدو الصهيوني، إلا أننا آنذاك لم نرد على ذلك كله باستعمال
السلاح أو القوة في وجهها، وبقينا نحصر مقاومتنا ضد المحتل الصهيوني فقط،
واستعملنا معها في المقابل سياسة كف اليد، وحصر معارضتنا لها وإدارة خلافنا معها
بالوسائل السلمية، السياسية والإعلامية والجماهيرية.



سادساً، تبنينا في الحركة سياسة
عدم الدخول في أية معارك جانبية في المنطقة، خلافاً لما فعله غيرنا في مراحل
سابقة. ولم نستخدم القوة والسلاح ضد أية دولة أو طرف عربي حتى لو آذانا، وحاصرنا
وأساء إلينا، أو اعتقل إخواننا وعذبهم، أو طعن مقاومتنا في ظهرها، أو حرّض علينا،
فالعرب هم إخواننا وأهلنا وعمقنا الاستراتيجي، ولا يمكن أن نسيء إليهم حتى لو
أساءوا إلينا. وقد التزمنا بهذه السياسة طوال السنوات الماضية، وسنبقى ملتزمين بها
بإذن الله، لأن معركتنا الوحيدة هي – حصراً - ضد الاحتلال الصهيوني.



سابعاً، وقد عُـنينا في بناء
المقاومة وبشكل أساسي،بالتركيز على بناء الإنسان المقاوم إيمانياً وتربوياً
ونفسياً وفكرياً، وإيجاد درجة عالية من الانضباط التنظيمي والسلوكي، والالتزام
بالضوابط الشرعية والأخلاقية للمقاومة، وتنمية القدرة على الصبر والصمود والتحمل
والعمل في أقسى الظروف، إلى جانب الوعي ووضوح الرؤية والهدف لدى المقاتل، وإخلاص
القصد والنية، وامتزاج البعد الديني والوطني ليشكل حافزاً قوياً ومضاعفاً في مسيرة
الجهاد والمقاومة، فالمجاهد يقاتل في سبيل الله ضد عدوه المحتل، دفاعاً عن وطنه
وأرضه ومقدساته، وعن شعبه وأمته، وعن أهله وعرضه.



أما عن الإضافات التي قدمتها الحركة
في الجانب الجهادي والنضالي،...



فلابد من الإشارة ابتداءً إلى نقطة أساسية
وجوهرية، وهي أن حماس نجحت بفضل الله في بناء وتعزيز مشروعها المقاوم رغم أنها
جاءت في الزمن الصعب، وفي مرحلة غابت فيها كثير من العوامل والشروط الموضوعية
لنجاح الثورات وحركات التحرر، ومن أبرزها انتهاء الحرب الباردة، وغياب الحليف
الدولي، ونشوء نظام دولي قائم على القطب الواحد، وهي الولايات المتحدة الأمريكية
الحليف الأول للكيان الصهيوني، ثم دخول العالم مرحلة الحرب على الإرهاب، وإلصاق
تهمة الإرهاب بالإسلام وبحركات المقاومة.



و نضيف إلى ذلك، وهو في الغالب بعض
نتائجه وانعكاساته، أن المقاومة في فلسطين ومنذ فترة تعيش حالة حصار خانق، ومحرومة
من ساحات جوار صديقة أو حليفة توفر لها العمق والدعم اللوجستي، ومن قاعدة خلفية
آمنة تسمح لها بحرية الحركة والمناورة. وهذا كله أدى إلى الصعوبة البالغة في استمرار
الكفاح المسلح بطريقته السابقة، خاصة العمل من الخارج إلى الداخل، بل إلى صعوبة
تقديم الدعم اللوجستي للمقاومة في الداخل من الخارج.



في ظل هذا التحدي الكبير، ومن أجل
استمرار مشروع المقاومة والتغلب على العوائق والحصار، ركزت الحركة على استراتيجية
توسيع مشاركة شعبنا الفلسطيني في الداخل وانخراطه في المقاومة والمواجهة بدرجاتها
المختلفة، بدءاً بالحجر؛ فكان الإبداع في نموذج الانتفاضة الأولى ثم الثانية،
والتي شارك فيها الجميع، قوى وشخصيات وجماهير، ليعبر ذلك عن مرحلة جديدة من النضال
الفلسطيني، وأشكال جديدة ومبتكرة من المقاومة والمواجهة المفتوحة مع الاحتلال.



كما جرى اعتماد استراتيجية أخرى،
وهي البناء الذاتي للمقاومة المسلحة في الداخل، تجنيداً وتدريباً وتسليحاً
ومناورة، مع بذل كل الجهود لتحصيل الدعم المالي والفني والتسليح من الخارج بقدر
الإمكان. وحين اشتد الحصار أكثر، نشأت وتطورت فكرة تصنيع السلاح في الداخل من
المواد الأولية المتاحة، وهكذا ...



أي أننا في ظل هذه التحديات
الهائلة والحصار والملاحقة، قبلنا التحدي وواجهناه بشجاعة وإصرار، من خلال الإبداع
والابتكار والتنويع والتجديد، والاعتماد على الذات، والاستعانة بالله تعالى في كل
حال، ومواصلة البحث عن الأصدقاء والحلفاء وما يتوفر من دعم وإسناد. وقلنا في
أنفسنا، حتى لو بقينا وحدنا في الميدان، وانقطعت كل أسباب الدعم من الآخرين، فإننا
سنمضي في مشروعنا المقاوم، ولن نعجز ولن نستسلم، ولن نتوقف عن المواجهة والمقاومة،
وسنظل نحرّض أمتنا على دعمنا والمشاركة معنا في هذا الواجب والشرف، مستأنسين بقوله
تعالى لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام “فقاتل في سبيل الله لا تُـكَـلَّـف إلا
نفسك، وحرّض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأساً وأشد
تنكيلا” . كنا نقول ذلك رغم قناعتنا وثقتنا بأصالة أمتنا وأنها لن تتخلى عن
مسؤولياتها تجاه قضيتها المركزية فلسطين، ومواجهة المشروع الصهيوني الذي تدرك
جوهره وأبعاد خطره عليها وعلى المنطقة والعالم.


ومن الإضافة كذلك التي
قدمتها حماس في الجانب الجهادي والنضالي، التجديد في
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-08-26, 23:46


المقاومة، في أساليبها وتكتيكاتها
وأدواتها. ومن ذلك توسيع العمليات الاستشهادية وتطويرها لتتحول إلى سلاح فتاك ضد
العدو يضرب نظريته الأمنية في عمقها. ومن ذلك أيضاً تصنيع السلاح في الداخل
وتحويله إلى مشروع عملي وحقيقي يمكن الاعتماد عليه ولو مرحلياً في ظل صعوبات
الحصول على السلاح من الخارج، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تصنيع الصواريخ، فبعد أن
تعامل معها البعض في البداية باستهانة لبدائيتها ومحدودية مدياتها وفعاليتها
آنذاك، تطورت إلى مراحل متقدمة بفضل الله وشكلت إزعاجاً حقيقياً للعدو وتأثيراً
متزايداً على أمنه.



ومن الإضافات المهمة، تطوير قدرة
المقاومة على مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية، والنجاح في الدفاع عن المناطق والمدن
الفلسطينية كما هو النموذج المتميز في قطاع غزة،والمحاولة البطولية في مخيم جنين،
حيث استُعملت في سبيل ذلك مختلف الطرق والأساليب المعروفة، وأضيف إليها موضوع
الأنفاق والإبداع فيها واستعمالها على نطاق واسع في الدفاع والمواجهة. بل وصل
الأمر إلى حد صمود المقاومة في مواجهة حرب حقيقية، ودحر العدو وإفشال أهدافه، كما
حصل في حرب العدو الصهيوني على قطاع غزة 2008 – 2009، التي كانت في الحقيقة أكبر
حرب تشنها “إسرائيل” على الأرض الفلسطينية.



ومن الإضافات كذلك، الارتقاء
بالمقاومة إلى مرحلة القدرة على الإنجاز وتحرير جزء من الأرض. فالمقاومة
الفلسطينية بأجنحتها العسكرية وعملياتها الاستشهادية والنوعية، والتأثير الكبير
لانتفاضة شعبنا الثانية، تمكنت بفضل الله من إجبار العدو الصهيوني على الرحيل عن
قطاع غزة وتفكيك مستوطناته، وذلك لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني يفعلها
مُـجبراً على الأرض الفلسطينية.



وهذا يعني بوضوح، أن المقاومة
الفلسطينية من خلال تطوير القدرة والزخم والأدوات، والتجديد وتنويع الأساليب
والتكتيكات، ومن خلال الإصرار والعناد والنفس الطويل، أصبحت خياراً حقيقياً لشعبنا
يمكن الرهان عليه، والثقة بقدرته على الصمود والدفاع عن الشعب، وبقدرته على
الإنجاز ولو خطوة خطوة، رغم فارق الإمكانات الهائل واستمرار الخلل في ميزان القوى
مع العدو.



كما عُنيت الحركة بجانب مهم في
تجربتها كحركة مقاومة، وهو المراوحة بين تصعيد المقاومة وتهدئتها، بما يراعي ظروف
شعبنا وأحواله، وبما يخدم المصلحة العامة والتقدير السياسي السليم. وقد تكون
التهدئة ذاتية أو غير معلنة، حسب الضرورة والحاجة، وكجزء من إدارة قرار المقاومة،
وقد تكون التهدئة معلنة وباتفاق قوى المقاومة، مقابل مطالب محددة، كوقف العدوان
الصهيوني ورفع الحصار، ...الخ.



فنحن وفصائل المقاومة مارسنا ذلك
عن وعي وشجاعة وتحمّل للمسؤولية تجاه شعبنا ومصالحه، ولكن وفي جميع الأحوال مارسنا
ذلك على قاعدة التمسك بالمقاومة ومواصلة تطويرها باعتبارها خيارنا الاستراتيجي
للتحرير.



وقد قدّمت الحركة في ميدان المعركة
وعلى طريق المقاومة والتحرير، كما قدّم غيرها من أبناء شعبنا ومن فصائل المقاومة
الفلسطينية، كوكبة كبيرة وعظيمة من الشهداء من خيرة قياداتها ورموزها وكوادرها،
وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، وعبد العزيز الرنتيسي، وجمال منصور،
وجمال سليم، وإبراهيم المقادمة، وإسماعيل أبو شنب، وصلاح دروزة، ويوسف سركجي،
وسعيد صيام، ونزار ريان، وغيرهم من مئات وآلاف الشهداء الكرام.



كما قدمت أسماءً لامعة في تاريخ
العمل العسكري الفلسطيني، من القادة المبدعين في فنون المقاومة والقتال ضد العدو
الصهيوني، كعماد عقل ويحيى عياش وصلاح شحادة ومحمود أبو هنود، وعشرات آخرين لا
يتسع المقام لذكر أسمائهم، لكن أسماءهم ستظل محفورة في الذاكرة الفلسطينية وتاريخ
النضال الفلسطيني، ومكانتهم عند الله – بإذنه تعالى – أسمى وأجلّ.



وهناك جانب آخر وإضافة نوعية بالغة
الأهمية، وهي إدخال البُـعد الإسلامي الديني في المعركة إلى جانب البُـعد الوطني
والقومي، بكل ما يمثله الدين الإسلامي في حياة الشعب والأمة، وما يمنحه للإنسان
المجاهد من روح وقوة وعنفوان، وتعزيز الدافع نحو المقاومة، والقدرة على المزيد من
التحمل والصبر والصمود، وقدرة الإسلام كذلك على تعبئة الجماهير وتحريضها وتحريكها
وإثارة مشاعرها في مواجهة المحتلين.



كما أن هذا البُـعد الجوهري عمل
على مضاعفة احتشاد جماهير الأمة العربية والإسلامية ودعمها للشعب الفلسطيني وصموده
ومقاومته، وخاصة في الأحداث الكبيرة كالحرب والحصار على غزة وما يتعلق بالقدس
والأقصى. فالمشاعر الإسلامية من أهم الروابط التي تربط جموع الأمة وجماهيرها
ونخبها ورموزها بفلسطين والقدس والمسجد الأقصى، وتربطهم بجهاد الشعب الفلسطيني
ونضاله، فكان دخول حركة حماس بهويتها الإسلامية الواضحة إلى ميدان المعركة بهذا
الثقل الكبير، عاملاً أساسياً في إثارة الزخم العربي والإسلامي الواسع واستدعائه
لصالح القضية والمقاومة الفلسطينية.



* وكيف تنظرون إلى مسألة التساهل
في إراقة الدماء؟



- هناك ضوابط شرعية صارمة معروفة
بشأن الدماء وأرواح الناس، شدد عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، وما شدد
الرسول صلى الله عليه وسلم على شيء كما شدد في موضوع الدماء، حيث أكد عليها مراراً
خاصة في خطبة حجة الوداع، فكانت بذلك محوراً أساسياً في دستور الأمة. كما أن هناك
قواعد أخلاقية وأعرافاً وطنية تتعاقد عليها الشعوب وتتوافق عليها لتنشيء سلماً
داخلياً في مجتمعاتها. وكل ذلك مما ينبغي التزام الجميع به دون تجاوز.



ونحن في الحركة حريصون على ذلك أشد
الحرص، من خلال تثبيت هذه الضوابط والقواعد الشرعية والأخلاقية والوطنية، وتوعية
أبناء الحركة وتثقيفهم بها، وإلزامهم بالتقيد بها في سلوكهم العملي، والمحاسبة على
أية تجاوزات أو مخالفات.



ولاشك أن التشديد على هذه المسائل
أحوج ما يكون له الجميع في الإطار العسكري ولدى حَمَلة السلاح، بحيث لا يُستعمل
السلاح إلا في مجاله الطبيعي ضد العدو المحتل. فالذين يحملون السلاح قد يدفعهم
شعورهم بالقوة إلى التساهل باستعماله أحياناً دون حاجة حقيقية، وكلما زادت بيئة التوتر
الداخلي في أي مجتمع، زادت احتمالات التساهل والتجاوز في استعمال السلاح.



ولابد من الإشارة هنا، إلى أن قسوة
التجربة الأمنية للسلطة الفلسطينية في التسعينيات، وسوء أداء أجهزتها الأمنية
وفسادها وتنكيلها بالناس وخاصة بحركات المقاومة وفي مقدمتها حماس، وتعذيب القيادات
والرموز وإهانتها، كل ذلك أورث مشاعر ساخطة وآلاماً شديدة، وجروحاً في النفوس لا
تكاد تندمل جرّاء تلك التجربة القاسية، مما جعل البيئة الداخلية في المجتمع
الفلسطيني في الداخل ليست سليمة ولا في حالتها الطبيعية، بل متوترة ومستفزة، وزاد
من الحزبية الضيقة والتعصب للذات وللفصيل على حساب المصلحة الوطنية العامة. وهذه
عيوب لابد أن نعمل جميعاً على معالجتها، ونتعاون معاً ونتحمل المسؤولية معاً في
سبيل التخلص منها، لأن ذلك مصلحة الوطن والقضية، ومصلحتنا جميعاً، ولأن استمرار
تلك العيوب والظواهر ضار بالجميع، وضار بالقضية والمصلحة الوطنية.



إنّ امتلاك السلاح والشعور بالقوة
وكثرة العدد، تورث أصحابها في الغالب زهواً وإعجاباً واعتداداً بالنفس، وتغريهم
بالتساهل في استعمال تلك القوة وذلك السلاح، وقد تدفعهم إلى ارتكاب الأخطاء
والتجاوزات بحق الآخرين. بل إن الإنسان بطبيعته يطغى حين يستغني أو يقوى، كما قال
سبحانه وتعالى “ كلا إن الإنسان ليطغى أنْ رآه استغنى”، مما يوجب تهذيب ذلك ولجمه
وضبطه، عبر الوازع الديني والأخلاقي والوطني، وعبر تشريع الضوابط والقيود
والقوانين والعقوبات، والمحاسبة على التجاوزات والمخالفات.



ونحن في الحركة نمارس هذا النهج
بشقيه، الوازع الديني والأخلاقي والوطني، والضوابط والقيود والمحاسبة والمعاقبة في
حال التجاوزات، فهذه مسائل متعلقة بالدين والشرع والمصلحة الوطنية وحقوق الناس.
كما أننا نحرص على سلامة النوايا وتنقية الدوافع لدى المقاتلين، ليكون الجهاد
والعمل والسلوك دائماً خالصاً لوجه الله تعالى، ومن أجل الوطن والمصلحة الوطنية،
بعيداً عن الهوى وشهوة الانتقام، أو تصفية الحسابات، أو الدوافع الشخصية.



ورغم كل ذلك، تبقى هنالك بعض
الأخطاء والتجاوزات تحصل بين الحين والآخر، فالأخطاء جزء من طبيعة البشر، والإنسان
بطبيعته خطّاء، لكن (وخير الخطائين التوابون) كما قال عليه الصلاة والسلام.



والتجاوزات والأخطاء تحصل في تجارب
الأمم والشعوب جميعاً، كما تحصل في جيوش العالم وبطريقة نرى بشاعتها وظلمها للشعوب
المستضعفة والمحتلة، كما في العراق وأفغانستان على سبيل المثال. لكننا كأمة عربية وإسلامية،
وبحكم مبادئ ديننا وأخلاقنا وإرثنا الحضاري، نحتاج أن نأخذ أنفسنا دائماً بأعلى
درجات الانضباط الأخلاقي والسلوكي، وبالحزم تجاه الأخطاء والتجاوزات، فأخلاقنا
ليست محلية فيما بيننا فقط، بل عالمية وإنسانية نمارسها مع الجميع، بصرف النظر عن
أديانهم وأعراقهم وألوانهم.



حتى في عهد الرسول محمد صلى الله
عليه وسلم حصلت بعض التجاوزات والأخطاء، لكن علاجها كان حازماً وسريعاً. والقرآن
الكريم عالج واحدة منها على سبيل المثال، في قوله تعالى: “ يا أيها الذين آمنوا
إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً،
تبتغون عَرَض الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمنّ الله
عليكم فتبينوا، إن الله كان بما تعملون خبيرا”.



والرسول عليه الصلاة والسلام كان
حازماً في معالجة تلك التجاوزات على قلتها، والأحاديث النبوية الواردة في ذلك معروفة،
لأن الانحياز للمبادئ والقيم والأخلاق هو الأصل في الدين، والأساس في حياة الأمة.



من هنا، والتزاماً منا بالضوابط
الشرعية والأخلاقية والوطنية، واقتداءً بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة،
ولأننا نعتبر الالتزام بذلك واجباً شرعياً، ومصدر خير وبركة وتوفيق، وتحقيقاً
للمصلحة الوطنية لشعبنا وقضيتنا، فإن سياستنا في الحركة تقوم على عدم إقرار
الأخطاء والتجاوزات، وعدم إضفاء الشرعية عليها من أي مصدر كانت، بل نعتبرها مخالفة
لنهج الحركة وفكرها والتزامها، ونحاسب عليها بحزم، ونعاقب المخالفين والمتجاوزين.






* مستقبل
المنطقة



* ما رؤيتكم لمستقبل المنطقة خلال
السنوات الخمس القادمة؟



- المنطقة اليوم تعيش مرحلة مخاض
كبير، والسنوات الخمس القادمة مرشحة لأن تشهد استمراراً لهذا المخاض وقوة واتساعاً
له، ولعله يسفر في النهاية عن تغيرات إيجابية وولادات مبشرة بإذن الله، حتى لو
كانت عسرة. ولدينا ثقة وأمل كبير بأن المستقبل في السنوات القادمة يسير بإذن الله
لصالح الأمة، ولصالح مشروع المقاومة والقضية الفلسطينية. الأمة بلا شك تعيش اليوم
حالة نهوض وصعود، ولكنه صعود متعب بالضرورة، وقد يرافقه الكثير من النزف والألم،
لذلك يتطلب نفساً قوياً، والمزيد من العزم والإرادة والإصرار، ومضاعفة العمل
والبناء من ناحية، وتصعيد المقاومة والمواجهة ضد الأعداء المحتلين من ناحية أخرى.



* البعض يرى أن قراءتكم هذه
متفائلة ولا ترتكز على أسس، على ماذا تبنون توقعاتكم؟



- قراءتنا ليست حالمة، وبالتأكيد
ليست مهزومة. قراءتنا واقعية وتستند إلى كثير من الحقائق والشواهد والمؤشرات. ومن
ذلك، أنَّ مشروع المقاومة في المنطقة تطور تطوراً ملحوظاً وأثبت حضوره وفاعليته،
ليس هذا فحسب، بل صمد هذا المشروع وحقق نجاحات مهمة، رغم أنه يعمل في ظل ظروف غير
مواتية، ويواجه تحديات كبيرة، أهمها الخلل في ميزان القوى الإقليمي والدولي، وحالة
الضعف والانقسام التي تعيشها الدول العربية والإسلامية.



ومن ينظر إلى واقع المقاومة في
فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، يعلم أن المقاومة أصبحت رقماً صعباً في
المنطقة، وباتت الخيار الحقيقي الذي تراهن عليه شعوب الأمة لمواجهة قوى الهيمنة،
ولمقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وأمنها ومصالحها، وحماية استقلالها، ورد
العدوان الذي يقع عليها من أية دولة في العالم، حتى لو كانت بقوة وجبروت الولايات
المتحدة الأمريكية.



إن المقاومة في المنطقة، لم تصمد
وتنجح في إنجاز خطوات من التحرير كما في غزة وجنوب لبنان فحسب، وتصمد في مواجهة
حروب كبيرة فحسب، بل لقد أوقعت هذه المقاومة - في ساحاتها المختلفة - القوى
الغازية والطامعة في الهيمنة المباشرة على المنطقة، في ورطة كبيرة ومأزق شديد،
بحيث باتت مضطرة إلى إعادة حساباتها. فشعوب المنطقة ومقاوماتها وتضحياتها الجسيمة
– بفضل الله- أرغمت تلك القوى والدول الكبرى على إعطاء بعض الاعتبار لهذه الأمة،
بعد أن أغرتها أغلب السياسات الرسمية الضعيفة لدول المنطقة بالمزيد من الطمع فينا
والاستهانة بنا، وعدم وضعنا في الاعتبار عند رسم سياساتهم الخارجية وقراراتهم
المهمة بخصوص المنطقة.



إن الحرب الصهيونية على غزة ،
وحادثة أسطول الحرية، كشفتا عن شيء مهم في مسار الصراع، وهو أن الأمة ما زالت ترى
في فلسطين قضيتها الأولى، وأن شعوب الأمة مهما بلغت حالة الإحباط لديها، فإنها
قادرة على استعادة العافية والتحرك الواسع المؤثر في زمن قياسي، عندما تكون هناك
قضايا حقيقية للأمة، ومواجهات جدية مع العدو. وهذه الحيوية الكامنة في الأمة،
والتي تتجلى في بعض المحطات والاختبارات الساخنة، هي التي شكلت أحد العوامل
والأسباب - وفق معلومات معتبرة – التي دفعت دولاً غربية للضغط على «إسرائيل»
للتعجيل بوقف الحرب الأخيرة على غزة، تخوفاً من تداعيات ذلك الغضب العربي
والإسلامي الجارف وتأثيراته المقلقة على الواقع السياسي الراهن في المنطقة ومصالح
الغرب فيها.



كما أن ثمة تحولات إيجابية مهمة
جرت في السنوات الأخيرة في مواقف عدد من الدول العربية والإسلامية، شكلت بمجموعها
– إلى جانب قوى المقاومة – حالة متزايدة من القوة والاستقلالية، والانحياز لمشروع
المقاومة ومصالح الأمة، ورفض الخضوع للإملاءات والضغوط الخارجية. فبالإضافة إلى
دول الممانعة الحليفة للمقاومة والداعمة لها، والتي – أي هذه الدول - أحرزت تقدماً
ملحوظاً على صعيد دورها في المنطقة، وإلى جانب دول عربية أخرى تطور موقفها وعبّرت
بصراحة وشجاعة عن دعمها للمقاومة الفلسطينية، وخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي
الذي أفرزته انتخابات 2006، فقد شهدت الآونة الأخيرة صعوداً واضحاً ومتزايداً
لتركيا ودورها الإقليمي، في مسار إيجابي ينزع نحو استقلالية القرار السياسي،
والنهوض الاقتصادي، وتعزيز التجربة الديمقراطية، والانفتاح على الأمة العربية
والإسلامية، والدخول بشكل لافت وفاعل على خط قضية فلسطين، وقضايا المنطقة الأخرى،
وتبني مواقف شجاعة وقوية، مما يشير إلى حالة تحول مهمة في المنطقة وعلى صعيد
الأمة، تعزز اتجاهها نحو النهوض والتغيير إلى الأفضل.



ولا شك أن هناك إدراكاً واضحاً
للجميع، حتى لمن ينكر ذلك مكابرة، أن استراتيجية التسوية والمفاوضات فشلت فشلاً
ذريعاً، ووصلت إلى طريق مسدود، وذلك بعد قرابة عشرين عاماً من اعتمادها خياراً
وحيداً لمجمل السياسة العربية الرسمية القائمة على ما يسمى بالاعتدال، وأن
الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي راهن عليها هؤلاء لمساعدتهم في إنجاح هذه
الاستراتيجية، لم تفعل لهم شيئاً، بل أحرجتهم وخذلتهم، وكانت تعطيهم مجرد كلام
ووعود، ومواعيد انتظار متلاحقة ومتغيرة، بينما كانت وما زالت تعطي الكيان الصهيوني
الدعم والتأييد والموقف المنحاز سياسياً وعملياً.



ورغم أن أصحاب هذه الاستراتيجية لا
يريدون الاعتراف الرسمي بالفشل، حتى لا ينشأ فراغ يستدعي البحث عن البديل، إلا أن
المخاض الجاري في المنطقة لابد أن يدفع الجميع نحو البحث عن استراتيجية بديلة،
أكثر جدية واحتراماً للذات، وأقدر على مواجهة الواقع الذي تفرضه «إسرائيل» يومياً
على الأرض، وتتحدى به الجميع، معتدلين وغير معتدلين. أما سياسة الانتظار والمراوحة
في المكان، والجمود على السياسة الراهنة، وتجريب الخيارات الفاشلة، وإعادة إنتاجها
أكثر من مرة، فلم تعد ممكنة ولا محتملة.



فضلاً عن أن السياسة العربية
الرسمية في أغلبها، تبدو للأسف عاجزة عن مواكبة التغيرات التي يشهدها الإقليم،
وصعود لاعبين جدد، وتنامي أدوار لاعبين آخرين، وما يفرضه ذلك من تحديات على العرب
وأمنهم ومصالحهم، والدور الإقليمي لدولهم، خاصة الكبيرة منها.



ورُغم أن أمريكا ما تزال تلقي
بثقلها المؤثر والضاغط على كثير من دول المنطقة، إلا أن هناك استياء خفياً منها
بدأ يتزايد لدى هذه الدول، حتى الصديقة منها لأمريكا، لأنها باختصار تخذلهم ولا
تسعفهم في القضايا التي تهم الدول العربية، خاصة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي،
وتراعي الكيان الصهيوني ودول المنطقة الأخرى على حسابهم، مما يزيد من حرجهم أمام
شعوبهم، ويضعف من قدرتهم على الاستمرار في تسويق استراتيجية الاعتدال السياسي
القائمة على التسوية والمفاوضات، والدفاع عنها.



ومن الشواهد التي تعزز الثقة لدينا
بأن مستقبل المنطقة لصالحنا، وضع الكيان الصهيوني المتراجع. صحيح أنه ما زال
متفوقاً عسكرياً، وما زال ميزان القوى يعمل لصالحه، لكنه اليوم يعاني الكثير من
جوانب الفشل. نعم، هو قادر على شن الحروب، لكنه ومنذ فترة طويلة عاجز عن تحقيق
الانتصار فيها.



إن كل هذه الحقائق آنفة الذكر، بما
تعكسه من مرارة أحياناً ومن مبشرات واعدة أحياناً أخرى، ومع تنامي الوعي لدى شعوب
المنطقة، خاصة العربية منها، في ظل الإعلام الفضائي المفتوح، وعدم القدرة على
إخفاء الحقائق، ومع تنامي عودة شعوب الأمة إلى هويتها العربية الإسلامية الأصيلة، وجذورها
الحضارية، والقلق المتزايد لديها حول الوضع الراهن للأمة العربية، ومصيرها
ومستقبلها، وأمنها القومي، ودورها الإقليمي والدولي، وقضاياها الأساسية وفي
مقدمتها قضية الصراع العربي الصهيوني،..



كل ذلك، في تقديري، يدفع الأمة
دفعاً إلى تغيير حقيقي وكبير، أصبح حتمياً، مما يجعلني وأمثالي على ثقة أن
المستقبل خلال السنوات القادمة سيكون بإذن الله لصالح أمتنا، رغم المشهد الراهن
المثقل بالمرارة والآلام والهموم. ويعزز ذلك أن هذه المنطقة، كما تشهد حقائق
التاريخ، كانت تنجح دائماً وفي نهاية المطاف في استعادة زمام المبادرة، وهزيمة
القوى والحملات الأجنبية الغازية والمعتدية.



* مستقبل
المشروع الصهيوني:



* من خلال قراءتكم لمسار المشروع
الصهيوني وما آل إليه واقعه الراهن.. كيف تنظرون إلى مستقبل هذا المشروع، هل يتقدم
وصولا إلى تحقيق “إسرائيل الكبرى”، أم يتقهقر وينكفئ؟



- معطيات الواقع تعزز القناعة بأن
المشروع الصهيوني لا مستقبل له في المنطقة. هناك تراجع حقيقي لهذا المشروع الذي
كان التوسّع أحد خصائصه المهمة، وهو اليوم لم يعد قادرا على مواصلة التوسع. وما
بناء الجدار (رغم إدراك تداعياته السلبية على الشعب الفلسطيني)، والانسحاب من جنوب
لبنان ومن قطاع غزة، إلا أمثلة عملية على هذا التراجع والانكفاء.



“إسرائيل” التي كانت تشن الحروب
على من حولها، وتنتصر فيها بسهولة، وتتمكن من نقل المعركة إلى أرض العدو، بات
عمقها ساحة أساسية للحروب وتداعياتها، وللمقاومة الفلسطينية حين كانت تضرب في كل
مكان فيه، وهي حالة قابلة للتكرار. وما يسمى بالجبهة الإسرائيلية الداخلية باتت
مهددة في كل حرب أو مواجهة، وتدفع ثمن مغامرات قيادتها.



فضلا عن ذلك، فإن الجيل الصهيوني الحاكم اليوم
في “إسرائيل”، وعلى مستوى كثير من قياداته العسكرية والسياسية والأمنية، لم يعد
يملك قدرات الجيل الأول الذي بنى هذا الكيان، ولا إرادة القتال التي كانت لديه.
فضلاً عن استشراء حالة الفساد في الطبقة الحاكمة، وتزايد حالات الانتحار والتهرب
من الخدمة العسكرية، وتراجع أداء مؤسساتها الأمنية.



منذ عام 1967 لم تكسب “إسرائيل”
حرباً حقيقية، إلا اجتياحها لمدينة بيروت عام 1982. وهذا مؤشر مهم على تراجع قدرة
المشروع الصهيوني، وأنه لا مستقبل له. وبتقديري أن مشروع “إسرائيل الكبرى” انتهى،
لأن العدو الصهيوني ببساطة لم يعد قادراً على تحقيقه، وأن “إسرائيل” ماضية في نفس
المسار الذي انتهت إليه دولة جنوب إفريقيا العنصرية، وهي قناعة تتزايد حتى عند
كثير من السياسيين والمراقبين المحايدين.



بعد أكثر من 60 عاما على قيام هذا
الكيان، وعندما يكون السؤال لدى الشارع الإسرائيلي ليس عن أمن “إسرائيل” فحسب،
وإنما عن مستقبلها ومصيرها، فهذا تطور مهم وخطير. وعندما يشك المجتمع الإسرائيلي
في أساس وجوده، وفي مستقبله، وفي جدوى مشروعه، يكون العدّ العكسي قد بدأ بإذن
الله.



ليس كافياً أن نقول هذا الكلام،
ولكن المطلوب أن نبني عليه. ونحن لا ندعو بهذا الكلام إلى الاستهانة بقوة الكيان
الصهيوني وقدراته، فالعاقل هو الذي لا يستهين بعدوه، فما زال هذا الكيان يملك
كثيراً من عناصر القوة. ولكن هذه القراءة والرؤية الواقعية المستندة إلى كثير من
الحقائق والمؤشرات، ينبغي أن تدفعنا إلى عدم الخضوع للتهديدات الإسرائيلية، ولا
إلى شروطها للتسوية السياسية، وأن تدفعنا إلى عدم التعامل مع المشروع الصهيوني
كأنه قدر مقدور لا مفرّ منه. البديل عن سياسة الخضوع أو حالة العجز والانتظار
والغرق في مستنقع المفاوضات والتسوية الآسن، هو استمرار المواجهة مع الكيان
الصهيوني ضمن الإمكانات والخيارات المتاحة، والخيار الحقيقي المتاح هو المقاومة؛
والشعب الفلسطيني قادر بإذن الله على مواصلة المقاومة، لكنه يحتاج إلى إسناد الأمة
ومشاركتها ودعمها.



* بدأ الجدل يدور لدى العديد من
الأطراف الدولية، حول إذا كانت (إسرائيل) ما تزال تشكل ذخرا استراتيجيا يحقق
المصالح الغربية في المنطقة أم لا .. برأيكم هل ثمة فرصة لأن تعيد بعض الأطراف
الدولية النظر بجدوى مواصلة دعمها غير المحدود للكيان الصهيوني؟



- أحد جوانب القوة عند «إسرائيل»
كان قدرتها على تسويق نفسها عند الغرب باعتبارها جزءا من الحضارة الغربية وامتدادا
لها، تحمل قيمها ونمط حياتها ونظامها السياسي الديمقراطي للحكم. كما كانت تقدم
نفسها وتستدر عطف الغرب عليها باعتبارها ضحية للنازية. اليوم «إسرائيل» لم تعد
كذلك؛ خاصة بعد تقرير غولدستون وبعد جرائمها في الحرب على غزة، ومن قبل في لبنان،
وبعد جريمتها بحق أسطول الحرية، حيث طالت اعتداءاتها مئات الرعايا من عشرات الدول
بما فيها دول غربية. اليوم «إسرائيل» أصبحت تعيش حالة من انكشاف صورتها، واهتزاز
المبرر الأخلاقي الذي كانت تزعمه وتروّجه سابقاً. «إسرائيل» تسقط أخلاقياً وينكشف
وجهها الحقيقي القبيح، وهذا تطور مهم للغاية.



حالة الاحتضان الغربي لـ»إسرائيل»
تعرضت لهزّة كبيرة خاصة لدى شعوب الغرب ونخبه، وذلك بفعل جرائمها المتفاقمة في بشاعتها،
وبفعل الصمود الفلسطيني الذي كشفها على حقيقتها، وأبرز عدالة القضية الفلسطينية
ووجهها الإنساني. بينما المفاوضات معها تؤدي إلى تجميل صورتها، لأنها تستخدمها
كعلاقات عامة. وحين تخسر «إسرائيل» محضنها الدولي فإنها تلحق بنفسها خسارة فادحة،
لأنها ليست نبتا طبيعيا في المنطقة، إنما تعيش على دعم المجتمع الدولي، وبخاصة
الغربي. من ناحية أخرى، العقل الغربي يمجد القوة ويعشقها، ويبنى عليها سياساته.
واليوم لم يعد الكيان الصهيوني يظهر أمام الغرب بمظهر القادر على فرض ما يريد في
المنطقة، وهذا يعني أن ثقة الغرب بقدرة هذا الكيان على فرض خياراته على المنطقة
بالقوة تتراجع. وهذا بلا شك يهزّ صورة «إسرائيل» لدى الغرب ودورها الوظيفي، ومن
حيث كونها استثماراً رابحاً له، بل باتت عبئاً عليه، وباتت كُـلَـفها كبيرة، وهذا
سيؤثر بالتدريج في تعاطي الغرب مع المشروع الصهيوني في المستقبل.



كل هذه العوامل تظهر شيخوخة مبكرة
لهذا المشروع. والشيخوخة عادة عندما تظهر مبكراً في أي جسم، فإنها تدل على وجود
خلل ذاتي في أساس التكوين أو في عوامل المناعة الذاتية، كما تدل على وجود بيئة
محيطة رافضة له فرضت عليه هذه الشيخوخة. ودون أدنى ريب أن الصمود الفلسطيني
ومقاومته، وصمود الأمة ودعمها، والمواجهات المتواصلة مع هذا المشروع، وعدم الخضوع
لإرادته، هو ما جعله ينكشف وتظهر عوراته، لذلك شاخ المشروع مبكرا، ولم يعد قادرا
على القيام بنفس المغامرات السابقة، وتحقيق ذات النجاحات التي حققها في الماضي.



باختصار، المشروع الصهيوني، ككل
مشاريع الاحتلال والاستيطان والعدوان عبر التاريخ، لا شرعية له، وبالتالي لا
مستقبل له، لأنه غريب عن منطقتنا، ولا يحمل مقومات البقاء، وستجري عليه ذات السنة
التي جرت على المشاريع المشابهة له من قبل. ونحن أمة عظيمة، تعتز بنفسها ودينها
وأرضها وتاريخها وحضارتها وهويتها، وتعتبر فلسطين والقدس قلبها النابض، ودليل
حياتها وبقائها، لذلك لن تصبر على الكيان الصهيوني طويلاً، وستهزمه كما هزمت
الحملات الصليبية والزحف المغولي من قبل بإذن الله.



«وتلك الأيام نداولها بين الناس».
صدق الله العظيم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ZiйǾu

avatar

نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-09-07, 05:46

الله على روعه هذا البوح الرائع
وجدت بهذا الطرح
جل صور الجمال الماثورة في عالم الاحتلال
اسمح لي اعبر عن مدى اعجابي بأبداعك اللامتناهي.....
إمتناني وتقديري لقلمك ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
اسماء رحمة

avatar

نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


مُساهمةموضوع: واحة الدردشة    2010-09-22, 20:54

وين القى الاعضاء ارجوووووكم 26598 228 Smilies 8
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Roshan



نوع المتصفح موزيلا

صلي على النبي

صل الله عليه وسلم


انجازاتي
لايتوفر على اوسمة بعد:

الوسام الأول


مُساهمةموضوع: رد: هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.    2010-10-14, 22:29

شكرا لك اخي موضوع في القمة
نشكرك جزيل الشكر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
هي جولة في فكر الرجل الذي تولى مسؤولية القيادة في واحدة من أشهر حركات المقاومة المعاصرة.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة سيدي عامر :: المنتديات العامه :: المنتدى العام :: قسم الاخبار-
انتقل الى: